آخر الأخبار
التقرير السياسي للأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني

التقرير السياسي للأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

تقديم

الأخ رئيس المجلس الوطني المحترم

الأخوات والإخوة أعضاء الأمانة العامة 

الأخوات والإخوة أعضاء المجلس الوطني

السلام عليكم ورحمة الله

تنعقد هذه الدورة العادية للمجلس الوطني في هذه السنة الاستثنائية بجميع المقاييس، في سياقات دولية وإقليمية حبلى بتحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية، وتبقى محكومة في عمومها بتداعيات جائحة كوفيد 19.

كما تنعقد، هذه الدورة، في سياق وطني تهيمن عليه تحولات كبرى ذات طبيعة استراتيجية، خاصة على صعيد قضية وحدتنا الترابية بعد الإعلان الرئاسي الأمريكي القاضي بالاعتراف بالسيادة المغربية على كامل تراب أقاليمنا الصحراوية، مع ما سبق هذا الحدث ورافقه من تأمين لمعبر الكركرات وإقبال العديد من الدول الشقيقة والصديقة على فتح تمثيليات دبلوماسية في مدينتي العيون والداخلة، فضلا عما سيفتحه ذلك من تحولات ذات طبيعة سياسية واستراتيجية واقتصادية وتنموية.

وتنعقد هذه الدورة أيضا في سياق حزبي خاص بعد سنة حافلة بديناميات تواصلية وتأطيرية وتنظيمية. فضلا عن عدد من المكتسيات والإنجازات اليومية للحكومة التي يقودها ويتولى تدبير عدد من قطاعاتها الوزارية حزب العدالة والتنمية. هذا بالإضافة إلى المكتسبات والإنجازات الملموسة التي حققها حزبنا في مجال تدبيره للشأن العام الترابي، مع حيوية وحضور متميزين للفريقين البرلمانيين وحرصهما على الاضطلاع بمختلف الأدوار الدستورية المنوطة بهم. 

 ثم إن هذه الدورة تنعقد في السنة الأخيرة للولاية الحكومية الحالية، والتي توافق أيضا السنة الأخيرة من التدبير المحلي. ومن ثم ستكون هذه الدورة فرصة مناسبة لتقييم أولي لحصيلتنا في تدبير الشأن العام، كي نكون في الموعد لإعداد حصيلة الحزب في مجال تدبير الشأن العام في مستوياته المختلفة والتعريف بهذه الحصيلة، والإعداد الجيد للاستحقاقات الانتخابية التشريعية والجماعية والمهنية المقبلة، بغية تعزيز موقع حزبنا داخل المشهد السياسي، والاستمرار في مسيرة الإصلاح ببلادنا.  

ثم إنها دورة تستشرف انتهاء الولاية التنظيمية الحالية لحزبنا، بما يقتضيه ذلك من ضرورات حسن التحضير أدبيا وتنظيميا لتقييم المرحلة الحالية واستشراف آفاق المرحلة المقبلة وتعزيز اختيارات الحزب المذهبية بما يقوي منهجنا الإصلاحي ويطور تصورنا السياسي لتدبير المرحلة القادمة والموقع السياسي والنضالي المناسب لتلك الاختيارات، وبما يؤهلنا للمساهمة أكثر في تثمين وتحصين مسارنا الديمقراطي، ومواجهة مختلف التحديات التي يواجهها الوطن.

ولا بد في هذا المقام من حمد الله سبحانه وتعالى على ما من به على بلادنا من نعمة الأمن والاستقرار ونعمة العافية، ونسأله أن يشفي مرضانا ويرحم موتانا الذي قضوا في هذه الفترة الماضية، كما نتوجه إليه سبحانه وتعالى بالحمد والشكر على نعمة الغيث الذي عم بلادنا ونسأله أن يكون غيثا نافعا.

أولا:

سياق دولي مطبوع بتزايد صراع النفوذ وبجائحة كوفيد 19 وتداعياتها السياسية والاقتصادية

الأخوات والإخوة: أعضاء المجلس الوطني 

  1. على الصعيد الدولي: تنامي صراع النفوذ وإرهاصات تراجع نظام القطب الواحد

إن استعراض الأحداث والتحوّلات التي عرفها العالم خلال السنة الفارطة يفضي بنا إلى توقع تنامي صراع القوى الدولية والإقليمية على العديد من الساحات الإقليمية لتثبيث نفوذها والدفاع عن مصالحها، لا سيما في المنطقة العربية أو على الشريط الأطلسي أو شمال إفريقيا أو بالحوض المتوسطي.

كما أن سياق ما بعد ترامب وما بعد كورونا وما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي يفتح آفاقا لتموقعات جديدة على المستوى الدولي. 

من جهتها شهدت الولايات المتحدة الامريكية انكفاء على نفسها وتراجع أدوراها على المستوى الدولي في عهد ترامب، وذلك في مقابل مواصلة بروز قوى جديدة تسعى جاهدة لاكتساب مساحات جديدة، لا سيما مع وصول قطار الحرير إلى تركيا أو مع الحضور الروسي في العديد من التوترات الإقليمية. وهو التوجه الذي من المنتظر أن تتم مراجعته مع صعود الديمقراطيين الذين درجت سياساتهم الخارجية على اعتماد سياسة تدخلية باسم “أمريكا رائدة النموذج الديمقراطي”. وفعلا فقد أصدر الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن عدة قرارات في الأيام الأولى من ولايته في اتجاه عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى العمل متعدد الأطراف.

وفي المقابل، فإن أحد أهم الخلاصات الكبرى التي من الممكن استخلاصها، هو أن المملكة المغربية كانت واعية بمختلف التحديات التي تطرحها مختلف التحولات والتقاطبات الدولية، لذلك اتجهت سياسة المغرب إلى ألا يكون موضوعا ولا طرفا في صراع المحاور الكبرى بالمنطقة.

  1. سياق مطبوع بجائحة كورونا ونقاش المسؤولية عن تفشّي فيروس كوفيد 19

لقد عكست جائحة كوفيد 19 بوضوح صراع مراكز النفوذ والمحاور الكبرى، المشار إليه أعلاه، حيث تميزت السنة الماضية بالنقاش حول المسؤولية عن انتشار أو نشر فيروس كورونا، وتبادل الاتهامات عن الجهة المسؤولة عن ظهور هذه الجائحة، وبتنافس الأنظمة السياسية على تقديم النموذج المجتمعي الأكفأ لمواجهة تحدياتها، وإيلاء الأولوية للاحتياجات الداخلية، مع التسابق العلمي والإعلامي لكسب السبق في اكتشاف اللقاح المضاد لفيروس كورونا المستجد.

أما على المستوى الاقتصادي: فقد تعرض العالم خلال السنة الماضية لأسوأ ركود له منذ سنوات “الكساد الكبير”، متجاوزا في ذلك كله حدّة الأزمة المالية العالمية التي مرت منذ 10 سنوات خلت. ومع ذلك، ورغم بروز عدد من المؤشرات في الأشهر الأخيرة مشيرة إلى حدوث تعاف تدريجي، وظهور البشائر الأولى المتعلقة باكتشاف لقاحات كوفيد 19، وبداية عملية التلقيح ضده في بعض الدول، تظل المخاطر المحدقة بالعالم قائمة في ظل ظهور سلالات جديدة للفيروس. وهو ما يفتح الباب أمام احتمال انتظار وقت أكبر من أجل تحقيق تعاف اقتصادي، دولي ووطني، كامل. 

ثانيا:

سياق إقليمي تلتبس فرصه بتهديداته وتحدياته

أما على الصعيد الإقليمي، فإن الملاحظة العامة تشير إلى سياق ملتبس تختلط عناصره الإيجابية بعناصره السلبية. 

  1. فمن بين المؤشرات الإيجابية:
  • الصمود الفلسطيني ووحدة الموقف الفلسطيني تجاه صفقة القرن وفي مواجهة العدوان الصهيوني على الحقوق الوطنية الفلسطينية وتزايد مخططات ضم مناطق أخرى في الضفة الغربية، فضلا عن مواصلة الحصار على غزة؛ 
  • قرار المصالحة بين دول مجلس التعاون الخليجي، بعد سنوات من الخلاف بين مكوناته، واستئناف عقد دورات مجلسه الأعلى ونجاح فعالياته. ولا يفوتنا بهذه المناسبة، التنويه بما أسفرت عنه هذه القمة من تجديد دعم الدول الخليجية الشقيقة لوحدتنا الترابية وتكثيف الجهود لتنفيذ خطط العمل المشترك التي تم الاتفاق عليها في إطار الشراكة الاستراتيجية مع المملكة المغربية.

وهي المناسبة ذاتها، التي ننوه فيها بالحكمة وطابع الحياد البناء الذي التزمت به المملكة المغربية تجاه مختلف الدول الخليجية الشقيقة، وكذا السعي المتواصل والصادق لجلالة الملك حفظه الله، من أجل رأب الصدع وتجاوز الأزمة بين الأشقاء الخليجيين في ظروف دولية وإقليمية صعبة؛

  • بروز الأمل في الوصول لمصالحة بين الأشقاء الليبيين، وخصوصا بعد جهود عديدة لرعاية الحوار بينهم. وقد قامت بلادنا بدور مشهود في هذا المجال في اجتماعات بوزنيقة وطنجة.
  1. وفي المقابل هناك مؤشرات سلبية تهدد الأمن والاستقرار وتجارب الإصلاح السياسي بالمنطقة، أهمها 
  • تواصل الانقسامات السياسية والصراعات العسكرية في عدد من دول المشرق العربي، مع استمرار الخلافات العربية وجمود الجامعة العربية وركود مؤسسات الاتحاد المغاربي؛ 
  • استمرار تداعيات بعض التوتر الذي عرفته عدد من المناطق العربية التي تحولت إلى ساحة لصراعات نفوذ وتدخلات جيوسياسية؛
  • تداعيات جائحة كورونا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة العربية بسبب تراجع العائدات الحكومية وتفاقم أزمة حرب أسعار النفط المزمنة منذ منتصف عام 2014، فضلا عن تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب انكماش معدلات النمو الاقتصادي.

ثالثا:

السياق الوطني: فرص وتحديات

الإخوة والأخوات أعضاء المجلس الوطني

تميز السياق الوطني في هذه السنة بأمرين أساسيين: التحولات الاستراتيجية على مستوى القضية الوطنية وتداعيات جائحة كوفيد 19

  1. سياق وطني محكوم بتحولات استراتيجية على مستوى قضية وحدتنا الترابية 

 إن التحولات النوعية الاستراتيجية التي عرفها ملف وحدتنا الترابية خلال هذه السنة جعل منها سنة العزم والحسم، والذي تجسد من خلال عدة وقائع وازنة:

  • التدخل الحازم والاحترافي للقوات المسلحة الملكية، بأوامر سامية من قائدها الأعلى جلالة الملك محمد السادس نصره الله، لإنهاء المشاغبات والاستفزازات الانفصالية بمنطقة الكركرات، مع اتخاذ كل الاحتياطات القانونية والدبلوماسية والسياسية. مما جعل بلادنا في وضعية مبادرة وفرض واقع جديد وحل مستدام على الأرض، بما ينهي واقع عبث الانفصاليين في هذه المنطقة الحساسة.  وهو التحرك الذي لقي إشادة وتقديرا كبيرين من أكثر من 75 دولة عبر العالم؛ وأدى هذا التحرك إلى حل حاسم ودائم مسنود بالشرعية الدولية، ويعيد حرية حركة المدنيين والتجارة إلى المنطقة؛ 
  • تحقيق انتصارات متتالية، أهمها تحييد استغلال الاتحاد الإفريقي للتشويش على بلادنا، والاتفاقيات الجديدة مع الاتحاد الأوروبي التي يشمل مجال تطبيقها الأقاليم الجنوبية، واعتماد قانوني ترسيم الحدود البحرية والجرف القاري بإدخال المياه المقابلة لسواحل الصحراء المغربية ضمن المنظومة القانونية المغربية، هذا بالإضافة إلى فتح تسعة عشر قنصلية بالأقاليم الجنوبية؛ 
  • انخراط البلاد في تنزيل مشاريع تنموية في الصحراء وتفعيل آليات حقوق الإنسان وتقوية التجهيزات الأساسية والبنيات التحتية من شبكة طرقية ومشاريع اقتصادية هيكلية؛
  • ويبقى أهم إنجاز استراتيجي حققه المغرب على صعيد ملف وحدته الترابية مرتبطا بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء من خلال إصدار إعلان رئاسي بهذا الصدد. وهو القرار الذي تلته العديد من الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية من نشر الإعلان في السجل الفيدرالي الأمريكي (بمثابة جريدة رسمية للولايات المتحدة)، وتبليغ القرار رسميا للأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث أعلنت الممثلة الدائمة للولايات المتحدة بأن هذا الإعلان سيصبح أساسا لتعامل هذا البلد مع قضية الصحراء المغربية أثناء مناقشتها في مجلس الأمن. إضافة إلى الإجراءات الأخرى مثل تصحيح الخريطة الأمريكية للمغرب لتضم أقاليمنا الجنوبية، وتوزيعها على مختلف السفارات والقنصليات والإدارات الفيدرالية، ومباشرة الإجراءات العملية لفتح قنصلية بمدينة الداخلة، مع تشجيع الاستثمارات الأمريكية في الأقاليم الجنوبية وإدماج هذه الأخيرة في اتفاقية التبادل الحر.

لقد عشنا طيلة هذه السنة وعاش المغاربة قاطبة لحظات تاريخية مليئة بالاعتزاز والفخر، ونحن نتابع هذه النجاحات في ترصيد السيادة الوطنية على أقاليمنا الجنوبية، وإن الوعي بالنقلة الاستراتيجية لكل ذلك مهم لفهم تحديات اللحظة ووضع تحولاتها موضعها الصحيح.

وأمام هذه التحولات الاستراتيجية والانتصارات الدبلوماسية في القضية الوطنية، ازداد التشويش الإعلامي من قبل جبهة الانفصاليين، مع نشر الأخبار الزائفة وإصدار البلاغات عن الهجومات العسكرية الوهمية، وهو ما يقتضي اليقظة والحذر والتسلح بالوعي. فقد أعلنوا التحلل من وقف إطلاق النار، فلم يأبه لهم أحد، وكانت نفخة في رماد. ووصفوا الإعلان الأمريكي ما هو إلا إعلان احتفالي رمزي، فتتالت تأثيراته العملية فبهتوا. وهم في كل يروجون خبرا زائفا أو اتهاما مغرضا، لكن الشعب المغربي لكل ذلك بالمرصاد.

سياق وطني محكوم أيضا بتداعيات الجائحة 

الأخوات والإخوة الكرام

 وجد المغرب خلال السنة المنصرمة نفسه، مثل باقي دول العالم، في مواجهة جائحة غير مسبوقة ومصحوبة بمخاطر صحية وتداعيات اقتصادية واجتماعية حادة، وهو ما أثر بشكل قوي على مؤشرات سنة 2020. وسيمتد هذا الانعكاس أيضا على سنة 2021، كما تؤكد على ذلك أغلب المؤسسات والهيئات المختصة.

وعلى الرغم من كل هذه التحديات فقد تميز تدبير المغرب، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك حفظه الله وبفضل تعبئة الحكومة بمختلف قطاعاتها والجماعات الترابية والسلطات المحلية ومختلف القوى الوطنية، بوضوح المقاربة الاستراتيجية حيث اختارت اعتماد مبدأ واضحا يقوم على أولوية “صحة المواطن”. وهو ما يتضح من خلال المعطيات التالية:

  • مقاربة حكيمة واستباقية وتعامل حازم ومبكر مع جائحة كوفيد من خلال إقرار حالة الطوارئ الصحية العامة وفرض جملة من التدابير الاستثنائية، والإجراءات الاستعجالية التي اتخذتها الحكومة جاعلة من “سلامة صحة المواطن” أولوية الأولويات؛
  • عمل حكومي منسجم ومتضامن بين مختلف القطاعات الحكومية التي تقف في الصفوف الأمامية للجائحة، والتي ساهم في نجاحها الانخراط الكبير الذي أبداه المواطنون عموما من خلال تفهمهم لمختلف القرارات الحكومية، مما عزز النتائج المحققة بفضل المقاربة الاستباقية سالفة الذكر؛ 
  • مقاربة تشاركية من خلال لقاءات بناءة وإيجابية للتشاور جمعت الحكومة مع الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية والجمعيات والهيئات المهنية فيما يتعلق بمواجهة تداعيات الجائحة وتدبير مرحلة ما بعد الحجر الصحي على المستويين الاقتصادي والاجتماعي؛
  • مقاربة شاملة لم تقتصر فقط على التدابير الاحترازية ولكن أيضا على تدابير خاصة بالإقلاع الاقتصادي والموجهة أساسا للمقاولة الصغيرة والصغيرة جدا وللحرفيين والمهنيين، وخصوصا التدابير الخاصة بالمواكبة الاجتماعية من خلال الدعم المالي لمختلف الفئات المعنية؛
  • روح تضامنية وطنية عالية، سواء تلك التي تجلت في التفاعل مع صندوق التضامن من أجل مواجهة الجائحة، أو التعاون العفوي الذي بادر إليه المواطنون في دعم بعضهم البعض؛ 
  • التصدّي للجائحة خارج المغرب، وهو ما تجلى في دعوة جلالته لإرساء إطار عملياتي لمواكبة مختلف مراحل وقف انتشار الوباء على المستوى الإفريقي، وفي تقديم مساعدات طبية للعديد من الدول الإفريقية الشقيقة لدعم جهودها في مكافحة الوباء، أو من خلال توجيه دعم عيني من بيت مال القدس لمستشفيات مدينة القدس الشريف، خاصة بأقسام الطوارئ والعزل الصحي، وذلك في سياق دعم جهود القطاع الصحي بالمدينة المحتلة ورفع جاهزية فلسطينيي 48 وتعزيز قدرتهم على مواجهة الآثار المحتملة لجائحة كورونا؛
  • وضوح الرؤية فيما يتعلق بالإعداد لمرحلة ما بعد كورونا: وذلك بالجمع بين متطلبات الإنعاش الاقتصادي ومستلزمات الرفع التدريجي لحالة الحجر الصحي مع الإبقاء على حالة الطوارئ واختيار مواصلة التحكم في انتشار الفيروس والتعايش معه من خلال تدابير الوقاية والتباعد الاجتماعي؛ 
  • تفاعل سريع مع تطورات الوضعية الوبائية وتكييف السياسات العمومية: إذ أملت إكراهات هذه الأزمة قيام الحكومة بملاءمة السياسات العمومية، والتفاعل السريع مع تطورات الوضعية الوبائية، رغم الإشكالات والصعوبات، وانخرطت منذ الأسابيع الأولى للجائحة في التصدي لتداعياتها؛ صاحب ذلك اتخاذ إجراءات استعجاليه وظرفية لاحتواء تداعيات الأزمة وضمان استقرار الاقتصاد الوطني والتحكم في مصادر التموين ومساعدة القطاعات المتأثرة بالأزمة الصحية ودعم الطبقات الاجتماعية الهشة، وتعزيز وتأهيل المنظومة الصحية الوطنية؛ 

– إجراءات وتدابير قطاعية لمواكبة دينامية استئناف النشاط الاقتصادي وتسريع وتــيرة أداء المســتحقات لفائدة المقاولات وإحـداث آليـات للضمـان ودعم المقاولات للولوج إلى القروض البنكية، والتوقيع على عقود برامج لإقلاع بعض القطاعات المتضررة؛

ووعيا بضرورة التعبئة للمواجهة الاستراتيجية لتداعيات الجائحة أطلق ورش الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، والتي شكل قانون المالية لسنة 2021 منطلقا لتنفيذ مختلف التدابير المرتبطة به، والمتمثلة أساسا في دعم الاستثمار العمومي، وإحداث صندوق محمد السادس للاستثمار، وإصلاح المؤسسات العمومية، ودعم السياسات الاجتماعية؛

كما عملت بلادنا على تحويل تهديدات هذه الأزمة إلى فرص للانطلاق والنهوض، من خلال  مواصلة مختلف الإصلاحات الكبرى، مثل مواصلة إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتسريع التحول الرقمي، وإصلاح الإدارة وتبسيط المساطر، ومواجهة الخصاص في الماء الشروب ومياه السقي من خلال مواصلة تنزيل البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي “2020-2027” بهدف ضمان الأمن المائي والغذائي لبلادنا. 

والحمد لله فبفضل تضافر جهود الجميع كان هناك تحكم نسبي في الوباء في الأسابيع الأخيرة، وهناك استعداد كامل لإنجاح الحملة الوطنية للتلقيح ضد كوفيد 19، وإن وصول أول دفعة للقاح هو أول جواب على الذين أرادوا بصيحاتهم وخرجاتهم في المؤسسات المنتخبة وخارجها إشاعة الخوف والتشكيك في العمل الوطني الكبير والجماعي الذي يساهم فيه الجادون والمبادرون والمصابرون.
وبهذه المناسبة أتوجه إلى كل المساهمين في هذا العمل الوطني من مهنيي الصحة وإدارات ومنتخبين وغيرهم بكل والشكر نيابة عن كل أعضاء حزب العدالة والتنمية. وإننا في حزب العدالة والتنمية سنبقى معبئين خدمة للوطن والمواطنين إلى حين المحاصرة النهائية لهذه الجائحة التي حصدت إلى حدود اليوم وطنيا أكثر من 8000 شخص، نسأل الله لهم الرحمة والمغفرة، كما نسأل الشفاء للمرضى والمصابين.

نتائج ملموسة وتحسن في المؤشرات الاقتصادية الرئيسية

لقد كان من المتوقع أن يكون الوضع أسوء مما هو عليه اليوم، لا قدر الله، لو لم تكن التوازنات الاقتصادية الكبرى متحكما فيها قبل تفشي الجائحة، وذلك من حيث مخزون العملة الصعبة، وضبط العجز التجاري، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، والتحكم في نسبة التضخم، إلى جانب الديناميات الإصلاحية والتنموية الإيجابية التي كانت تشهدها المملكة مطلع 2020، من إطلاق لبرنامج “انطلاقة”، وتقدم في عدد من الأوراش الإصلاحية الكبرى، وبداية التراجع الطفيف في نسبة البطالة، واستمرار تحسن مناخ الأعمال…

كما أن التدابير المشار إليها سابقا قد أسهمت بدورها في التحكم في عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية من قبيل تقلّص حدّة تراجع نمو الناتج الداخلي الخام بمقدار 8 نقاط بين الفصلين الثاني والثالث، وانخفاض العجز التجاري بنسبة 26%، وتحسين مستوى الأصول الاحتياطية الرسمية التي تغطي ما يزيد عن 7 أشهر من واردات السلع والخدمات، واستعادة عموم القطاعات الإنتاجية عافيتها باستثناء تلك المرتبطة بالوضع الإقليمي والدولي مثل السياحة والنقل الجوي وبعض أنشطة الخدمات، كما تم تسجيل تطور أداء المداخيل والنفقات بوتيرة تتماشى مع التوقعات. 

أمطار الرحمة تبشر بموسم فلاحي جيد 

و من المبشرات بتعزيز مسار استعادة اقتصادنا الوطني لعافيته ما أنعم به الله على بلادنا، في الآونة الأخيرة، من نعمة الغيث وأمطار الخير التي عمّت مختلف ربوع الوطن ، والتي تعد بموسم فلاحي جيد إن شاء الله، خاصة بعد ارتفاع حقينة العديد من السدود، مما سيكون له أثر إيجابي على الأمن المائي وعلى الموسم الفلاحي وعلى سكان المجال القروي وعلى عموم المواطنات والمواطنين ، ويسهم في معالجة تداعيات شح الموارد المائية جراء نقص التساقطات المطرية في السنوات الماضية بعدد من المناطق، ويعزز التدابير الاستثنائية التي اتخذنها الحكومة في نفس الاتجاه.

وباستحضار الظروف المناخية القاسية الي شهدتها بلادنا مؤخرا، فإنه لا يفوتني التنويه بالمجهودات التي قامت بها السلطات العمومية والمنتخبة للوقاية وللتخفيف من وقع هذه الظروف وتداعياتها على الساكنة، والإشادة بفعاليات المجتمع المدني التي انخرطت في عملية تضامنية عودنا عليها المغاربة دائما.  

حصيلة حكومية مشرفة  

إن السنوات الأربع التي مرت من العمل الحكومي تؤشر على تقدم بارز بعدد من الإصلاحات ووضع بصمة إيجابية في أوراش مهمة اقتصاديا واجتماعيا وتنمويا.

فهذه حكومة اجتماعية بامتياز، استطاعت ترصيد المكتسبات الاجتماعية للحكومة السابقة مع توسيع الشرائح المستفيدة منها والرفع من الميزانيات المخصصة. وأكتفي بمثال برنامج تيسير الذي انتقل التلاميذ المستفيدون منه في ظل هذه الحكومة من 700 ألف إلى حوالي مليونين ونصف. وتم البدء الفعلي في توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل المهن الحرة والمستقلين، وستشهد هذه السنة إن شاء الله الإطلاق الفعلي لورش تعميم التغطية الصحية كما ورد في التوجيهات الملكية السامية. وتم إنجاح الحوار الاجتماعي بفضل تضافر جهود الشركاء الاجتماعيين، مع الزيادة في الأجور والتعويضات العائلية بكلفة تزيد على 14 مليار درهم. وبدأ ورش الاستهداف الاجتماعي، والسجل الاجتماعي الموحد بإصدار القانون المنظم، والاستعدادات جارية لتطبيقه. وتواصلت العناية بالأشخاص في وضعية إعاقة، مع إطلاق عدد من البرامج لأول مرة مثل التربية الدامجة والمباراة الموحدة الخاصة بهذه الفئة.

وهذه حكومة أعطت الأولوية لقطاعي التعليم والصحة، من خلال البدء الفعلي في تنزيل ورش إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وبدأت برنامج تعميم التعليمي الأولى الذي سجل نسبة تمدرس تزيد على 72 بالمئة لأول في تاريخ المغرب، والتطوير المطرد لمنظومة الدعم الاجتماعي الخاص بهذه الفئة، والزيادة المطردة لميزانيتي التعليم والصحة وللمناصب المالية المرصدة لهما (من 1700 سنة 2017 إلى 4000 ابتداء من سنة 2018، ثم 5500 في 2021)، ثم الاستمرار في توسيع قاعدة المدرسين مما أسهم في تحقيق عدد من المؤشرات الإيجابية مثل خفض ظاهرة الاكتظاظ، مع إطلاق ورش تكوين خاص للمدرسين.

وهذه حكومة الحكامة الجيدة المتجددة وإصلاح الإدارة، وذلك من خلال إنشاء مقاربة جماعية وحديثة لتتبع تنزيل البرنامج الحكومي وتقديم الحصيلة بانتظام. وإرساء لجان وزارية للإصلاحات الكبرى مثل إصلاح منظومة التربية والتكوين، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والتنمية المستدامة، مع اعتماد لوحات قيادة دقيقة. وأعطي الانطلاق الفعلي لورش اللاتمركز الإداري بعد تعثر دام لسنوات طويلة، وأطلق عمليا ورش تبسيط المساطر الإدارية مع التزامات جدية محددة في الزمان. كما باشرت الحكومة ورش مكافحة الفساد بإصدار عدد من القوانين واتخاذ العديد من الإجراءات أسهمت في تحسن ترتيب المغرب في مؤشر ملامسة الرشوة الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية من المرتبة 90 سنة 2016 إلى المرتبة 80 سنة 2019.

وهذه حكومة تقوية الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار، ففي عهدها بدء فعليا إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وإرساء لجنة قيادة مركزية ومركزة، وشاهدنا تقدما كبيرا في مخطط التسريع الصناعي، وتقدما مطردا في تحسين مناخ الأعمال حيث انتقلت بلادنا من المرتبة 75 إلى المرتبة 53 في خمس سنوات. كما اعتمد الحكومة سياسة إرادية ومندمجة في التشغيل نتج عنها تقلص مطرد في نسبة البطالة سنويا ما بين 2017 و2019، ودعمت إحداث فرص الشغل وجعلته من المحددات الثابتة عند إعداد مشاريع قوانين المالية، وأعطت عناية خاصة بالتشغيل العمومي، مع تحقيق مستويات غير مسبوقة، ودعمت وشجعت نظام المقاول الذاتي الذي فاق عدد المنخرطين فيه التوقعات مع عدد من التحفيزات المهمة. 

وإذ أحمد الله على ما تم إنجازه في هذا المجال، فإنه ليس من الممكن ولا المناسب تقديم حصيلة مفصلة في هذا التقرير السياسي، لكن الهدف هو التأكيد على أنها حصيلة مشرفة، وإن كانت الانتظارات أكبر مما تحقق بكثير، مع التأكيد على أنها تمت بالتعاون مع شركائنا في الحكومة، ومع مؤسسات وشركاء آخرين خارج الحكومة مثل البرلمان والقطاع الخاص والمنظمات النقابية وغيرهم. فلهم جميعا الشكر والتنويه. 

أداء مشرف على المستوى الترابي

إننا نسجل أيضا اعتزازنا وتقديرنا لما يقوم به منتخبو الحزب – بتشارك مع حلفائهم ومختلف المتدخلين – من إنجازات وترافع لصالح المواطنين، سواء كانوا في المعارضة أو في التسيير، وفق منهج الحزب القائم على العمل والنضال والصبر والشفافية والتواصل مما حقق تحولا نوعيا في التنمية الاقتصادية والمحلية وتطورا ملحوظا في واقع الجماعات سواء كانت قروية أو حصرية، مدنا صغرى أو متوسطة أو كبرى. وهو ما يعترف به الخصم قبل الشريك، سواء على مستوى الحكامة الإدارية أو المالية أو الخدمات الادارية أو الاجتماعية أو المرافق أو البنيات التحتية.

وبعده المناسبة أوجه الشكر لكل المنتخبين والشركاء والمتدخلين، كما أنوه بالدعم اللامشروط من الهيآت المجالية والموازية الذين يسندون أداء المنتخبين.

وأغتنم هذه المناسبة لأؤكد مرة أخرى أن العمل السياسي وتدبير الشأن المحلي لا يخلو من عقبات وعراقيل وتضحيات وإكراهات، لذلك أدعو منتخبينا إلى المزيد من الصمود والصبر والعمل وعدم السقوط أمام الاستفزاز مهما كان. كنا ادعوهم إلى التعاون المثمر مع كل الفرقاء والشركاء والمؤسسات لخدمة مصالح المواطنين. كما أدعو مختلف الشركاء والمتدخلين إلى المزيد من التعاون مع المنتخبين ليقوموا بواجبهم في أحسن الظروف، وتجاوز كل ما يمكن أن يعيق ذلك، وترسيخ علاقات التعاون والاحترام المتبادل مع تقدير الاختصاصات المخولة لكل طرف.

وبهذه المناسبة أؤكد دعمنا المطلق لكل الأعضاء والمنتخبين ومساندتهم فيما يتعرضون له أثناء أداء مهامهم. 

رابعا:

السياق الداخلي للحزب

الأخوة والاخوات الكرام

إن تشخيصا لوضعية حزبنا ضمن سياقه السياسي الوطني يكشف عن عدد من مميزات حزب العدالة والتنمية ونقاط قوته التي بوأته عن جدارة واستحقاق، وما تزال، مكانة معتبرة ومسؤولية مقدرة في الحياة السياسية ببلادنا. 

ومن جهة أخرى فإن اختيار الحزب للمشاركة في التدبير الحكومي وقيادته للحكومة، وبقدر ما أتاحه ذلك، وما يزال، من إمكانيات إصلاحية حقيقية، فإنه من الطبيعي أن ترتبط به إشكاليات وإكراهات ناتجة عن التدبير، بالإضافة إلى ما تفرضه هذه الوضعية من ترجيحات وتقديرات صعبة، تضع الحزب أمام تحديات كبيرة، نحن واعون بها كامل الوعي. ولعل من أبرز هذه التحديات تلك التي رافقت محطة إعلان الرئاسة الأمريكية عن دعم سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية وما صاحبها من إعادة ربط العلاقة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. 

وأود هنا التأكيد أولا أن حزب العدالة والتنمية لا يمكنه أن يقع في تناقض واصطدام مع اختيارات الدولة ومع توجهات جلالة الملك حفظه الله، وذلك بوصفه رئيس الدولة الذي يؤول إليه، دستوريا، أمر تدبير العلاقات الخارجية. وبفضل هذا الموقف القوي، فقد خاب ظن خصوم الحزب الذين كانوا يراهنون ويتمنون أن يقع ذلك التناقض، كما راهنوا من قبل ولا يزالون على أن تتعمق الخلافات الداخلية للحزب، لتصل بحسب أماني بعضهم إلى انقسامه الداخلي.

إن الرهان الاستراتيجي للحزب كان دوما وسيظل هو النجاح في ثلاثة امتحانات كبيرة:

-امتحان الوفاء لجلالة الملك والوفاء للثوابت الوطنية الجامعة، والانسجام مع الاختيارات الاستراتيجية للدولة، وما تقتضيه من مواصلة دعم الجبهة الوطنية متماسكة بإزاء التحديات الوطنية؛

-امتحان إسهام الحزب في الإصلاح السياسي والاجتماعي من منطلق خيار المشاركة من موقع المسؤولية الحكومية، مع الوعي بكل صعوباتها وإكراهاتها في ظل نسق سياسي مركب، وفي إطار مسار سياسي وديمقراطي مفتوح على آفاق واعدة، ولكنه محفوف بإكراهات عديدة، في عمقها ضعف وهشاشة البنية الحزبية، وتراجع المد الديمقراطي إقليميا وعالميا؛

-امتحان صيانة الوحدة السياسية والتنظيمية للحزب بعدما خاب أمل المراهنين على تعميق التناقض داخل الحزب على خلفية مجموعة من النوازل كان آخرها اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء وما ارتبط به من إعادة العلاقة مع دولة الاحتلال.

أخواتي إخواني

ومن هنا فإن السؤال الذي يطرحه بعض أعضاء الحزب والمتعاطفين معه والمساندين لخطه السياسي والكفاحي هو: هل أخلّ الحزب بمبادئه المذهبية والسياسية وفقا لما أقرته وثائقه التأسيسية؟ وخاصة في الموقف من القضية الفلسطينية ومن الاحتلال الإسرائيلي.

وجوابا على هذا التساؤل وجب التأكيد على ما يلي: 

1– لم يصدر عن الحزب أي تصريح أو تلميح يتعلق بالتخلي عن تلك المبادئ أو الدعوة إلى مراجعتها أو التراجع عنها. لكن الحزب وجد نفسه مطوقا بأمانة الإسهام من موقعه في رئاسة الحكومة في دعم المجهود الوطني الذي يقوده جلالة الملك حفظه الله للدفاع عن سيادة الوطن وتكريس مغربية الصحراء، وفي الوقت نفسه الاستمرار في مواقفه تجاه القضية الفلسطينية التي لها مكانة خاصة لدى عموم المغاربة، ولدى أعضاء الحزب. 

2- إن تعزيز سيادة المغرب وصيانة وتقوية الوحدة الوطنية شعبا وأرضا من التوجهات والاختيارات الأساسية للحزب كما هو منصوص عليه في البرنامج العام. وهو موقف مبدئي يقتضي الدعم والانخراط في الإجماع الوطني من أجل استكمال سيادتنا على أقاليمنا الجنوبية المسترجعة.  فهي نفس المبادئ تؤسس لموقف الحزب من القضيتين: الوحدة الوطنية والترابية والقضية الفلسطينية.

3-إن موقفنا المبدئي من القضية الفلسطينية ثابت لم يتغير ولن يتغير. وهو الدعم المستمر للشعب الفلسطيني، والتأكيد المستمر المتواصل على حقه في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وعلى حق العودة ورفض الانتهاكات المتواصلة للاحتلال الإسرائيلي من هدم للبيوت وتجريف الأراضي وتوسيع الاستيطان وتهويد القدس والاعداء على حرمات المسجد الأقصى. 

وهو نفس ما أكد عليه بلاغ الديوان الملكي من أن العمل من أجل ترسيخ مغربية الصحراء “لن يكون أبدا لا اليوم ولا غدا، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوقه المشروعة”. وبالنسبة لنا فإن أي كسب يحققه المغرب باستكمال سيادته على أقاليمه الجنوبية المسترجعة بالتأكيد سيعود قوة في دعم بلادنا لفلسطين.

    ومن هنا فالضروري بالنسبة للحزب أمام هذا التلازم الإقدام بدل الإحجام والإيجابية بدل السلبية، ولا يمكن اعتماد منطق التباكي أو الانهزامية أو التخوين، بل المطلوب هو الوضوح في المواقف والثبات عليها والقوة في التحرك على أساسها، مع التحلي باليقظة وبروح المقاومة، فالمعركة معركة متجددة للبناء والمقاومة في نفس الوقت، لصالح القضيتين.

ولقد تابعنا بيانات ومواقف صدرت مع الأسف من هيئات خارجية هنا وهناك، ذهبت إلى انتقاد الموقف المغربي وانتقاد الحزب، ومع احترامنا للرأي المخالف وللنقد وتفهمنا لهما، فإننا نرفض رفضا باتا التهجم واتهام النوايا والتشكيك في موقف المغرب والتشكيك في موقف الحزب، وندعو الجميع للتحلي بالعدل والموضوعية وبالتواضع في نفس الوقت. 

خامسا:

في الأداء الحزبي خلال السنة الماضية

أخواتي الفضليات، إخواني الأفاضل

لقد بقي حزب العدالة والتنمية طيلة مسيرته عنصرا أساسيا في مسار الإصلاح ببلادنا، وقدم بناته وأبناؤه في سبيل ذلك الكثير من التضحيات، ولا يزالون يقدمونها. وينبغي أن يواصل مسيرته بنفس القيم والأسس المنهجية التي أهلته لذلك، وأن يتمثل باستمرار منهجه المتميز في الممارسة السياسية، والقائم على احترام المشروعية واحترام المؤسسات الوطنية والثقة فيها، والتعاون مع شركاء الوطن، والاشتغال في إطار المصلحة العامة، وتحمل المسؤولية في إطار القرارات التي تمليها مصلحة الوطن وعدم التردد في ذلك. وينبني المنهج أيضا على التشبث بالمشروعية والديمقراطية الداخلية واستقلالية القرار الحزبي، وحفظ التوازن بين حرية الرأي والتعبير عنه من جهة، والصرامة في الوفاء للمؤسسات والانضباط للقرارات والوفاء بالالتزامات. 

وإن تمثل هذه القيم والأسس المنهجية ليس بالأمر الهين والسهل، وإن كان يسيرا على من يسره الله له. وهو يقتضي التعاون عليها والتناصح للالتزام بها، والتعامل في ذلك بلين الجانب وقبول الرأي المخالف وتفهمه، والبعد عن التنازع: “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”. 

وإن قراءة في حصيلة أدائنا الحزبي تدعونا للاعتزاز، وحيث إن تقرير الأداء المعروض على مجلسكم الموقر سيفصل في هذه الحصيلة، فإننا سنكتفي في تقديم الخلاصات الأساسية: 

  1. مشاركة فاعلة في المجهود الوطني للتصدي للجائحة

لقد كان العنوان الأبرز للسنة التي ودعناها هو مواجهة الجائحة والتصدي لتداعياتها الصحية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وقد شارك حزبنا مشاركة بناءة متعددة الأبعاد. فكانت له أولا مساهمة اقتراحية من خلال المذكرة التي أصدرها حول التعامل مع جائحة كوفيد 19 ومع تأثيراتها، فضلا عن مقترحات لإنعاش الاقتصاد الوطني ورفع مستوى المواكبة الاجتماعية؛ كما نظم الحزب الحملة الوطنية الرقمية تحت شعار ” نحمي بلادي وحبابي”. وبرهن على ما يتمتع به مناضلو الحزب من مستوى عال من المسؤولية والوطنية والجاهزية والتعبئة والانخراط في المجهود الوطني استجابة للنداء الملكي الوارد في خطاب 20 غشت. وقد لاقت الحملة الوطنية تجاوبا وتفاعلا كبيرين من المواطنين؛ 

  1. تعبئة متواصلة لنصرة القضية الوطنية

فقد انخرط حزبنا في التعبئة الوطنية وراء جلالة الملك، وأطلق بعد تأمين معبر الكركرات حملة وطنية تواصلية تعبوية ناجحة لتحسيس المواطنين بهذه المحطة التاريخية. كما نظمت عشرات الأنشطة والندوات والمبادرات للترافع والدفاع عن القضية الوطنية.

  1. مواصلة العمل على تعزيز الخيار الديمقراطي 

فقد كان السياق الوطني خلال السنة الماضية محكوما بترقب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وقد عبر حزبنا منذ الوهلة الأولى لانطلاق المشاورات السياسية للإعداد لها عن موقفه الواضح في كون هذه الاستحقاقات تشكل لحظة مهمة في مسار بلادنا السياسي والتنموي وهو ما يقتضي التعامل معها بحس عالي من المسؤولية والوطنية وذلك بضرورة توفير المناخ والشروط السياسية والحقوقية التي تسهم في جعل هذه اللحظة الانتخابية لبنة من لبنات استكمال المسار الديمقراطي والتنموي لبلادنا، وفرصة لتوسيع مستويات الثقة في مؤسسات الوساطة السياسية وتعزيز مصداقيتها وتوسيع المشاركة في انتاجها من قبل مختلف القوى والفئات المجتمعية.

كما اعتبر الحزب قرار تنظيم الانتخابات في موعدها الدستوري رسالة إيجابية في اتجاه احترام الخيار الديمقراطي وجوابا صريحا على دعاة الانقلاب على هذا الخيار؛ وسجلنا بالمقابل بروز بالونات اختبار في اتجاه التراجع عن مكتسبات الاختيار الديمقراطي، من قبيل: دعوات تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو حكومة تقنوقراط، أو الترويج لفرضية تأجيل الانتخابات. كما نسجل تصاعد حدة الاستهداف الإعلامي والسياسي لرموز للحزب وقياداته ومناضليه ومستشاريه والتضييق عليهم في عدد من الجماعات الترابية بشكل متفاوت. 

كما سجلنا أيضا دعوات للتراجع عن عدد من المكاسب المرتبطة بالقوانين الانتخابية من قبيل إلغاء العتبة أو تقليص حالات اعتماد النظام اللائحي أو تغيير أساس احتساب القاسم الانتخابي. وهي مناسبة لتجديد التأكيد على المواقف التي سبق التعبير عنها في عدة مناسبات، ومنها:

– إن مراجعة القوانين الانتخابية وجب أن تكون مناسبة لتعزيز الاختيار الديمقراطي وصيانة المكتسبات المحققة في هذا المجال، خاصة ما يتعلق بنظام اللائحة الذي يعزز التصويت على أساس البرامج السياسية، ويقلص من حدة الفساد الانتخابي، واعتماد قاسم انتخابي يعزز المشاركة والمحاسبة السياسية من خلال ممارسة حق وواجب التصويت. ومن هنا فإن احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين يخالف المقتضيات الدستورية والمنطق الانتخابي السليم، كما يخالف ما هو معمول به في التجارب الديمقراطية المقارنة.

– إن تعديل القوانين الانتخابية ينبغي أن يقدم رسائل واضحة وغير ملتبسة تتجه لتعزيز مصداقية المؤسسات بدل العكس، وتعزيز مشاركة النساء والشباب ومغاربة العالم؛

  1. حيوية تنظيمية وتأطيرية وتواصلية مستمرة  

وعلى المستوى الداخلي تميزت السنة الماضية بعدد من المؤشرات الدالة على استمرار حيوية الحزب وفعاليته في المشهد السياسي الوطني، وهو ما تثبته العديد من المؤشرات من قبيل: انتظام سير هيئاته ودورية انعقاد مؤسساته، وحالة التعبئة الجماعية لهيئاته الموازية والمركزية والمجالية ولعموم مناضلاته ومناضليه.  

كما عرفت وظيفة التأطير الخارجي دينامية غير مسبوقة إبان فترة الحجر الصحي، من خلال استثمار الوسائل الرقمية، خصوصا بعد صدور المذكرة الداخلية الخاصة بعمل الوظائف خلال فترة الحجر الصحي. وهي نفس الملاحظة المسجلة خلال الحملة الوطنية التي نظمها الحزب للتحسيس بالمسؤولية الجماعية في التعاطي مع جائحة كوفيد وتداعياتها. 

سادسا:

في رهانات المرحلة

إن استحضار المعطيات السابقة واستحضار الاستحقاقات التي تنتظر بلادنا والتحديات التي تواجهها، يضع على عاتق حزبنا ومناضلاتنا ومناضلينا مسؤوليات مضاعفة للاستجابة لرهانات المرحلة تطلعا لإنجازات ومكتسبات أكبر لوطننا وشعبيا، وصمودا في وجه حملات تستهدف الحياة السياسية السليمة من جهة وتستهدف حزبنا من جهة ثانية. ونؤكد هنا أهم رهانات المرحلة القادمة.

  1. رفع درجة الجاهزية للإسهام في الدفاع عن مكتسبات القضية الوطنية، وتعزيز الإشعاع الخارجي للمغرب ومقاومة جميع أنواع الاختراقات ضد الوطن. وفي هذا الإطار يجب النهوض بمستوى أدائنا في العلاقات العامة وطنيا ودوليا، وتعزيز إسهامنا ودورنا على مستوى الديبلوماسية البرلمانية والسياسية والإعلامية؛ وتثمين دور بلادنا بخصوص دعم الحقوق الفلسطينية، ومضاعفة المبادرات في هذا المجال.
  2. الإسهام في مواصلة البناء الديمقراطي وتقوية المؤسسات المنتخبة والتصدي لمحاولات التراجع عن المكتسبات المحققة في هذين المجالين، وفي هذا الصدد يجب مواصلة التصدي للدعوات التي تسعى إلى تبخيس موقع وأدوار الأحزاب السياسية والمؤسسات التمثيلية؛ ومعالجة أسباب التبخيس والتيئيس والتشكيك في جدوى العمل السياسي من خلال مدخل المشاركة السياسية في المؤسسات؛ والاستجابة لتحدي إصلاح النظام الانتخابي والاستمرار في دمقرطته؛

وإن جهات عديدة تلجأ بالإضافة إلى تبخيس الإنجازات على المستويين الحكومي والترابي، ونشر الإشاعات حول الأعضاء المنتخبين والوزراء وتضخيم بعض الأخطاء، كما تلجأ إلى إشاعة الأكاذيب حول الوضع الداخلي للحزب من تحويل الاختلافات الطبيعية إلى صراعات وانقسامات، وتضخيم حجم الانسحابات التي وان كنا نتمنى الا تقع (ولا تنسوا الفضل بينكم) غير أنها تبقى محدودة. وفي أحايين أخرى يصنعونها صنعا واختلاقا. وها أنتم تشاهدون أنه غالبا ما ينقلب السحر على الساحر.

وبهده المناسبة أهيب بكل الإخوة والأخوات التمسك في التعاطي مع مختلف هذه الظواهر بالثقة في بعضنا البعض والثقة في مؤسسات الحزب وترسيخ تماسكه ليقوم بدوره مهما كانت الإكراهات، وعدم
الانسياق وراء الإشاعات والرد بقوة وبأدب في نفس الوقت على كل الإساءات والتهجمات.

  1. مواصلة العمل على تطوير الممارسة الحقوقية وتطوير ضماناتها

إن الإنصاف والموضوعية يقتضيان الإشارة إلى أن التطور الحقوقي في بلادنا هو في عمومه إيجابي، تعتريه في بعض الأحيان حالات من الارتباك. فالمؤشرات العامة تؤكد واقع القطع مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي أضحت تنتمي للماضي، وذلك بالنظر للضمانات الدستورية والقانونية والمؤسساتية والتدابير المرتبطة بمنعها وبالمعاقبة عليها والوقاية منها.

بيد أن هذا لا يمنع من القول إنه تظهر بين الفينة والأخرى بعض الإشكالات والممارسات المحدودة التي قد تشوش على هذا المسار التراكمي والايجابي، لا سيما على مستوى ممارسة العمل الجمعوي وبالخصوص تسجيل فروع بعض الجمعيات ومنح الوصولات المؤقتة، وتنظيم بعض الأنشطة الجمعوية، مما يطرح تحديات على مستوى ضمان فعالية منظومة الحماية الوطنية لحقوق الإنسان والتي ترجع أساسا إلى خصاص على مستوى تملك ثقافة حقوق الإنسان لدى القائمين على إنفاذ القانون، وعدم الالتزام دائما بالضوابط القانونية؛

وإن الحزب مدعو للإسهام مع مختلف الفاعلين في تجاوز تلك النقائص، والإسهام في معالجة مخلفات عدد من الملفات الحقوقية بما يرصد مكتسبات الوطن.

كما أن قيادة الحزب تتابع مآل عدد من الشكايات الكيدية وعدد من المتابعات في حق بعض أعضائه وبعض رؤساء الجماعات الترابية المنتمين إليه، ويعمل على توفير الدعم القانوني والمؤسساتي لهم، في احترام تام لاستقلال القضاء والذي نأمل أن ينصفهم ويضمن تحقيق العدالة في تلك المتابعات.

كما يجب التصدي لما تقوم به صحافة التشهير من استهداف لشخصيات عمومية ومناضلين سياسيين وحقوقيين في انتهاك واضح للحريات الفردية ومس فج بحقوق الأفراد وبالمعطيات الخاصة؛

  1. في تدبير الشأن العام

يتعين الاستمرار في دعم الجهود الوطنية في مواجهة جائحة كورونا وتحقيق الإقلاع الاقتصادي، والعمل خلال هذه المدة المتبقية لإتمام الأوراش الإصلاحية التي أطلقها الحزب في إطار مسؤولياته في تدبير الشأن العام، وفاء بالتزاماته. شعارنا في ذلك، القيام بالواجب أولا؛

ويمكن التأكيد على أننا من موقع التدبير وتحمل المسؤولية نتقدم – بتعاون مع شركائنا – في تحقيق الإصلاح والتضييق على الفساد رغم كل الإكراهات، ومن شك في ذلك فلينظر إلى حجم التشويشات والمضايقات والهجومات التي توجه ضد الحزب.

ومن هنا يتعين الإعداد الجيد لحصيلة أداء حزبنا على المستويات الحكومية، والجماعية، والبرلمانية، بكل شفافية وصدق ومسؤولية، ويجب الإعداد الجيد للتعريف بها والتواصل بخصوصها مع المواطنين، فمعهم تعاقدنا وتجاههم التزمنا. 

أيها الأخوات والإخوة

إن السياق العام الذي نعيشه اليوم يحمل تحديات جمة وفرصا واعدة، ويستلزم منا في حزب العدالة والتنمية، الوعي بدقة المرحلة وثقل المسؤولية فيها. وأنا واع بأن كثيرا من أعضاء الحزب يناضلون ويقاومون في المواقع التي يسهمون فيها لمصلحة بلدهم ومواطنيهم، لكن الإصلاح كفاح مستمر، وابتلاء متواصل: “ليبلوكم أيكم أحسن عملا”، وإن جيوب مقاومة التغيير قدر مقدر أمام مسيرات الإصلاح.

وللتذكير، فإن حزب العدالة والتنمية صمد في العقود الأخيرة كلها لمختلف الابتلاءات، وهو ما يزال صامدا. ولن تزيده الأحداث مهما صعبت إلا شموخا وثباتا.

ولنا الثقة في الله أولا، ثم في أخواتنا وإخواننا، وفي شعبنا، للاستمرار في عملية الإصلاح والبناء مع شركاء الوطن.  وإن غدا لناظره قريب

الأمين العام سعد الدين العثماني

المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية

الدورة السنوية العادية،

السبت 23  يناير 2021

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *