فيدرالية اليسار الديمقراطي و أزمة البورجوازية الصغيرة

فيدرالية اليسار الديمقراطي و أزمة البورجوازية الصغيرة

الأحمدي محمد

لعل من الأهداف الإستراتيجية لتشكيل فيدرالية اليسار الديمقراطي (فيد) هو دمج جميع مكوّناتها الثلاث في إطار حزب يساري ديمقراطي، يصبو إلى أن يكون قيمة مضافة إيجابية في المشهد السياسي المغربي، مع إمكانية الانفتاح على جميع الأحزاب والفعّاليات اليسارية التي تتقاطع معه جل الأهداف الإستراتيجية.
وإذا كان مطلب توحيد قوى اليسار قد أملته الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمغرب، وكذلك فرضته عملية الفرز التاريخية داخل الحقل السيّاسي المغربي ذي المرجعية الاشتراكية، فإن تحقيق هدف التوحيد وصهر جميع مكوّنات (فيد) في حزب يساري ديمقراطي واحد لم تتم إلى حد الآن.
والملاحظ أن مطلب التوحيد كان من القرارات المصيرية التي اتّخذتها مكوّنات (فيد) عند انعقاد مؤتمراتها الأخيرة. وهنا يطرح تساؤل مهم: لماذا لم يتم التوحيد إلى حد الآن وما هي الأسباب الذاتية و الموضوعية التي تعرقل هذا المخاض التاريخي المهم بالنسبة للحقل السياسي وبالنسبة لطبقات الشعب المغربي، الذي سئم من فشل وعقم جميع المحاولات السابقة، وعلى رأسها مرحلة التناوب، مع استثناء الحكومة الوطنية للزّعيم عبد الله ابراهيم.؟
وكمحاولة متواضعة لفهم هذا التعثر، يمكن أن نسوق عاملين :العامل الذاتي والعامل الموضوعي.
1- العامل الذاتي
العامل الذاتي يرتكز على الجانب النّفسي ، الذي لا زال يسيطر بطريقة سلبية على فكر بعض مكونات (فيد). و هذا يظهر من خلال الممارسة اليومية والفعلية لأجهزة اللّجان الإقليمية، وذلك في تصريف قرارات (فيد) داخل الأقاليم. حيث يلاحظ أن هذه الممارسة لم تكن سلسة وعقلانية (باستثناء بعض الحالات) ، نظرا لعدم خلق التّفاعل اللازم بين هذه المكوّنات لكي تولّد نفسانية جماعية تعوّض النفسانية الفردية الخاصة لكل مكوّن من مكوّناتها. والتّجربة الفعلية أظهرت أن اغلب هذه اللّجان لم تستطع أن تحقق الزخم الضروري من اجل صهر هذه المكوّنات في كتلة متجانسة فعّالة، تغذيها نفسانية جماعية تدفع نحو الاقتراب من هدف التوحيد.
فعمل هذه اللّجان الإقليمية يتسم بالروتينية وعدم الإبداع في تصور خطة عمل جماعية للنّضال داخل الأقاليم من اجل فرض نفسها كقوّة سياسية مؤطّرة للمواطن، وكقوّة إقتراحية مساهمة في حل المشاكل الاجتماعية. ولعل هذا راجع إلى أن بعض مكوّنات فيدرالية اليسار الديمقراطي لم تتمكّن من القيام بما يكفي من النّقد الذّاتي والاستعداد النّفسي من اجل الخروج من خاصيّتها و خصوصيّتها وذاتيّتها، والتي هي من رواسب فكر ما قبل التّوحيد. و كذلك لم تنجح في التّوافق على مشروع للوحدة و ذلك من خلال تدبير الهويات و الحمولة الثقافية و الإيديولوجية لكل مكون من مكوّناتها، و هذا يقتضي الانفلات من السّقف الإيديولوجي الذي يؤطّر كل مكوّن. كما نلاحظ أن هذه الحمولة الإيديولوجية موسومة بمنطق الاختزال و التبسيط والتنميط، و لعل هذا التمرين ضروري لترسيخ ثقافة الديمقراطية و العقلانية، و التي يجب أن تهيمن على الفكر الجماعي لمكونات فيد.
وللوصول إلى هذه الغاية لابد من التدريب على امتلاك الفكر الإبداعي و الثوري و ذلك بنبذ الفكر المتحجر المرهون بالممارسة اليومية الروتينية. و على العموم نلاحظ أن بعض هذه المكوّنات (فيد) لم تستطع أن تقوم بعملية الفطام ولا زالت تتلذذ بدفء حاضنتها الحزبية الخاصة بها.
٢_ العامل الموضوعي:
أعتقد أن هذا العامل هو الأكثر أهمية لأنه يرتكز على البعد الفكري و الإيديولوجي الذي يؤطر موضوعيا فكر مكونات (فيد).
فإذا تمعنا في الانتماء الطبقي لغالبية أفراد هذه المكونات ، فإننا نجد أن السمة الرئيسية هي انتماؤهم لفئة البورجوازية الصغيرة. إذن ماهو تحديد هذه البورجوازية الصغيرة؟ ولكي تتضح لنا الرؤية حول طبيعة هذه الفئة، لابد لنا من الرجوع إلى الفكر التاريخي الذي درس هذه البنية بإسهاب، و خصوصا الفكر الماركسي الذي حلل خاصيتها و تموقعها داخل المجتمع. وكما هو معروف أن ماركس كان قد حدد أن المجتمع الرأسمالي تسيطر عليه ثلاث طبقات كالآتي:

  • الأرستقراطية الإقطاعية و تعتمد على الريع العقاري
  • البورجوازية تعتمد على الربح الصناعي و الاستئثار بفائض القيمة.
  • البروليتاريا و تعتمد في معاشها على الأجر.
    فبعد هذا التحديد الإيجابي لهذه الطبقات الثلاث،نصّص ماركس على أن البورجوازية الصغيرة لا يمكن اعتبارها طبقة قائمة بذاتها و لذاتها، بل اعتبرها خليطا من فئات المجتمع التي لا تنتمي بالضرورة لإحدى هذه الطبقات المذكورة أعلاه. فهي تضم الحرفيين و التجار الصغار و الفلاحين الصغار، و المثقفين الدين يعتمدون في معاشهم على الإنتاج الثقافي و الفكري، لذلك اعتبر الفكر الماركسي البورجوازية الصغيرة خليطا من الفئات أكثر مما هي طبقة متميزة.
    و لكن و بعد هذا التعريف، ماهي المحددات الفكرية لهذه البورجوازية الصغيرة؟ و تبعا لنفس التحليل، فإنها تتميز بالفكر الاستهلاكي، وبالطوباوية و الازدواجية، و الإنتظارية.
    إلا أنه هناك شريحة صغيرة من هذه الفئة تتمثل في المثقفين العضويين و الذين يمتلكون مقومات فكرية تاريخية و ثورية تمكنهم من تجاوز تناقضات الفكر البورجوازي الصغير، و بالتالي تأهلهم إلى أن يلعبوا دورا كبيرا في عقلنة المجتمع و في تأطير الطبقة العاملة.
    على العموم، فإن البورجوازية الصغيرة يتسم فكرها نظريا، وفي غياب الوعي الكافي المرتفع، بالإنتظارية وعدم وضوح الرؤية والتذبذب، وعدم الحسم بين تبني قضايا الطبقة البروليتاريا، وبين مواقف إصلاحية وهذه الأخيرة قد تؤدي غالبا إلى خدمة أجندة الطبقة المسيطرة اقتصاديا وسياسيا.
    وبالرجوع إلى التحليل الماركسي والذي هو من المرجعيات الفكرية و النّظرية للأحزاب اليسارية، فإن هذه الطبقة تحمل بعض أمراض المجتمع والذي لا يمكنها أن تشفى منه إلا عن طريق النّقد والتثقيف.
    وإذا كان ربط اليسار كفكر بظهور الطبقة البروليتاريا، هو ربط يؤسس على فكر نظري يتبنى فلسفة البراكسيس، ويربط جدليا بين النظرية والممارسة، فإنّ البرجوازية الصغيرة و خصوصا فئة المثقفين و بفضل تكوينها و ثقافتها العضوية، مؤهلة موضوعيا و نظريّا لتأطير و قيادة و توعية الطّبقة البروليتاريا ولكي يتسنى لهذه الفئة أن تقوم بمهامها التاريخية، يجب عليها أن تتجاوز تناقضاتها الذاتية والموضوعية، وذلك بالانتقال الفكري من مرحلة الإعقال إلى مرحلة أعلى وأكثر عقلانية أي مرحلة العقل.
    وكما قال هيجل، فإن عملية الإعقال صالحة للفهم والإدراك، وهذه هي الخطوة الأولى، وقد حققتها فيدرالية اليسار الديمقراطي بعد تشكيلها. أما مرحلة العقل والتي تتجلى في حل الإشكالية، بعد فهمها و إدراكها، فتعتمد على إعمال الجدل للعبور إلى مرحلة التجاوز والتركيب، وانبجاس هذه الطفرة يعبّر عنه بتوحيد الذاتي والموضوعي.
    وإذا افترضنا جدلا أن فيدرالية اليسار الديمقراطي تكوّن طليعة هذه الفئة الواعية بدورها التاريخي، والتي تطمح إلى خلق كثلة تاريخية بين البورجوازية الصغيرة والطبقة البروليتاريا، من أجل تحقيق أهداف إستراتيجية النّضال الديمقراطي، والتي تتبنّى كسقف ممكن النضال من أجل ملكية برلمانية حقيقية، تؤسس على مجتمع حداثي وعلى ثقافة عقلانية وعلى نظام سياسي ديمقراطي وعلى دولة الحق والقانون وكرامة المواطن، فإنّ أهم خطوة تكتيكية للوصول إلى الهدف الاستراتيجي المشار إليه أعلاه، يقتضي، كشرط أساسي، التّوحيد في إطار حزبي يساري ديمقراطي واحد. لأنّ قيام هذا الحزب يمگن اليسار بأن يقوم بدوره كمثقف جماعي من أجل نشر الوعي الديمقراطي و ثقافة الحداثة والعقلانية داخل المجتمع. ومن جهة أخرى يمگنه أن يفرض نفسه كقوة سياسية واضحة الرؤية، لتبلور مشروعا مجتمعيا حداثيا قابل للتطبيق وممكن التحقيق. إذن فالهدف الرئيسي من التوحيد يتوخى تحقيق شرطين مهمين:
    ١_ شرط الهيمنة الثقافية؛
    ٢_ شرط الإختراق و التّموضع السّياسي.
    وهذان الشرطان ضروريان لإنجاح إستراتيجية النّضال الديمقراطي، من أجل تحقيق هدف الملكية البرلمانية.
    ولكن مطلب التوحيد يقف دونه، في نظري، زيادة عن العامل الذاتي، عامل فكري وإيديولوجي يتجلى في أزمة فكر البورجوازية الصغيرة التّي، كما ألمحنا إليه أعلاه، لم تقطع مع مخلفات وترسّبات ماضيها. ولم تقم بالنّقد الذاتي الذي سيمكنها من التجاوز إلى فكر أكثر تقدميّة والى ممارسة أكثر إبداعيّة لخلق الحدث التاريخي لوحدة اليسار. ورغم هذا العائق الفكري للبورجوازية الصغيرة، فان إمكانيّة التّجاوز متاحة من أجل تحقيق الطّفرة الفكرية بالنسبة لهذه الفئة والتي تحضى بالهيمنة داخل الأحزاب اليسارية.
    ولعل هذه الفرصة ممكنة إذا قامت هذه الفئة المتنوّرة و الواعيّة من البورجوازية الصّغيرة بتبنّي الفكر التّاريخي المؤطّر بالنّزعة التّاريخانية (أطروحة العروي). وكما هو معروف، فإن الفكر التّاريخاني يقتضي تبنّي فلسفة البراكسيس والتسلح بالفكر النّقدي وتبنّي ثقافة عضوية ايجابية تطمح لأن تكون في مستوى الحدث.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *