الحياة فيض ذكريات تصب في بحر النسيان والموت حقيقة حتمية

مدير الموقعمنذ 17 دقيقةآخر تحديث :
الحياة فيض ذكريات تصب في بحر النسيان والموت حقيقة حتمية

لماذا الخوف من الموت؟
هل لأنّ الموت مجهول للإنسان ولأنّ الإنسان ليس لديه دليل مادّي ملموس أو تجربة مُسبقة لهذا الحدث؟ أم لأنّهُ في شكٍّ ممّا سوف يحدث له في القبر؟أم لأنَّهُ يخافُ مما بعد الموت؟ أم لأنَّهُ يخافُ من الآخرة؟

سبب وجود الموت
السبب الّذي من أجْلِهِ خلق الله تعالى الموت هو البعث، أي انتهاء الحياة في الأرض وبداية الحياة في دار السلام (جنة الخلد). إن الموت هو أمر جميل لأنه لولا وجوده لا يكون هناك بعث، فالموت هو الطريق أو الباب الّذي يؤدي إلى البعث، بمعنى أصحّ هو المَمَرّْ من الحياة الدنيا إلى الآخرة، وهو الّذي يوصِلُنا إلى الهدف الأول والأخير الّذي خُلِقَ الإنسان من أجله، ألا وهو خلوده في الجنة، إذن من دون وجود الموت لا وجود لحياة في الدنيا ولا لحياة في الآخرة، لذلك، فإن الموت هو من أعظم ما خلقه الله لنا كي نستطيع الرجوع إلى جنتنا الأبدية، إذًن، فإن الحياة والموت في الأرض هما أكبر رحمة للإنسان، فمن دونهما لا نستطيع أن نرجع إلى الجنة ونخلد فيها
ما أصعب على الفؤاد أن تفقد عزيزا أو عزيزة
يا روحاً طاهرة تهيم من حولنا،يا حضناً دافئاً كم شكونا إليك همومنا. بفراقك أماه فارقنا الأمان وأحسسنا بغربة في الزمان والمكان، ذهبتِ وذهب معك الحنان.نشعر بروحك العطرة تُظللنا في ذهابنا وإيابنا، تتبعنا، فأنتِ يا حبيبتنا دائماً معنا. منذ رحيلك يا أماه والصمت يعذبنا يرهقنا، ويزيد آهاتنا لا نجد من نبوح له عما في داخلنا غير دموعنا، ونسيانك لا نقدر عليه وفراقك أصعب ممّا توقعنا. وإنّ ألمنا يا أماه ليفوق الوصف، رحلت عنا سريعاً ولكأن حكاية رحيلك كانت حلما، والوداع كان وهماً ;اطمئني يا أمي نحن بموتك مصدقون، ونحن على فقدانك إن شاء الله صابرون محتسبون. أمي يا من انتظرتينا أياما وليال، أمي يا من جعلت نبضي جار قلبك تسعة أشهر، يا من تحملت الألم فقط لأجل أن أبصر النور،أمي يا من أغمضت عينيك ورحلت. أمي أنتِ من كنت تعلميني الحنان، والعطف، والصبر، والصدق. لقد اشتقتنا لرؤية وجهك المضيء. آه كم نفتقد حضنك الدافئ يا أمي، وكم نشتاق إلى مسحة يدك على رؤوسنا كانت تذهب كل أوجاعنا.أمي كم أشتاق لحضنك الدافئ أتمنى لو كنت علـى وجه الأرض لأهديكِ قلبي وعمري، كم اشتقت إليك. أمي لقد رحلت بجسدك عنا وروحك لم تغادر أرواحنا . كانت أمّي صبورة محتسبة لا تشكو ولا تتعب، ماتت كما هي،جميلة وهادئة في أيّام رمضانية باردة و كانت تصحو
حينما يجب
يأتي الموت مع خطوات لاحقة تريح الميت ربما وتريحنا، ومنها غسل الجسد والجلوس معه وحتى دفنه في مقبرة نختار تفاصيل مكانها وتصميم بلاطها. لا نعلم ماذا كانت أمّنا تحبّ، هل كانت تحبّ القبر الأبيض أو الملون، هل كانت لتختار أن تدفن في أرض عائلتها أو أرض عائلة زوجها،هل كانت لتختار أن تدفن عند قبر أبيها أم وحدها في قبر جديد. لا نعلم، فلم نجرِ حديثاً كهذا معها، ففكرة موتها لم تكن موضوعاً يمكننا مناقشته معها أو مع أيّ أحد، فهو خوف ورعب كبيران بالنسبة إلينا، ورعب بعيد جداً، قبل أن يحدث الموت فجأةً ومن دون إنذار. في الأخير، اخترنا المقبرة المناسبة،وهي مقبرة الرحمة في غير مدينتها ولا منزلها،قرب سكنى إحدى بناتها واسمها مريم وهذا كان الموضوع الأول بعد الوفاة
الحياة مجرد حلم يوقظنا منه الموت
لحظة إعلان وفاة أمنا محجوبة جوهري، وحينما رأينا جسدها بلا روح للمرة الأولى، كدنا أن نفقد الوعي. واستيقظنا بعد دقائق وقلنا “ تقبلنا ما جرى هي الآن في مكان أفضل”، وهرعنا لنقبّل جثتها الطاهرة ونتبرك بريحانها. ماتت أمّنا جميلة ساكنة، مع سبابة منتصبة تشهد بالله ورسوله، وهذا ما أراحنا في كل هذه المأساة.قبل وفاتها، فقدت أمّنا وعيها بين يدي الطاقم الطبي المتمرس تحت إشراف الدكتور السلاوي بالمستشفى الدولي الخاص بالدار البيضاء ،ولم نرد أن نتذكرها في هذا المشهد الأخير
السلام على وجهها أراحنا بعد موتها، فلا نريد أن تعلق في أذهاننا صورة أمّنا بالتنفس الاصطناعي تقاوم طلوع روحها. هذه الصورة التي أخافتنا;علمنا أنّها لن تبقى معنا حينما شاهدنا وجهها. وإن أحزن ما يكون أكثر مما هو مريح في هذه التجربة هو الموت بالمستشفى تحت مثل هذه الظروف
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا،وإنا لفراقك يا أمنا لمحزونون
فنمي يا أماه قريرة العين،ولتكن بإذن الله آلامك مما أصابك من علل مزمنة خير سبيل ليغفر الله لك ما تقدم وما تأخر من ذنوب قدرت عليك وقد خلق الإنسان ضعيفا بطبعه على كل حال
هذا المقال ليس تعبيراً عن المأساة كما قال أحد الكتاب ممن فجع في أمه بل هو توصية منّه بأن تودّعوا أمواتكم وتجلسوا مع أجسادهم وتقبلوها، وتحضنوها، وبأن تخبروهم بكل شيء، وأن تستغلوا هذه اللحظات الأخيرة. هذا المقال ليس ليبكيكم أو ليرمي عليكم صدمته أو يعبّر عن مشاعر الفقدان، وليس ليصف لكم شخصية أمّه، أو يرثيها بل ليصف موتها. فلا أحد يحضّركم للموت لأنّه مخيف، ولا أحد يحضركم للوجيستيات العزاء ولا أحد سيصفعكم ليخرجكم من الصدمة الأولى حتى تستمروا في البقاء لدفن الجسد وتكريمه، وإخراجه من برّاد الموتى، ودفع أجر البراد، وتحضير النعوة، وأخذ الجثة في الإسعاف من المستشفى إلى المغسل ومن المغسل إلى المنزل ومن المنزل إلى القبر، وتحضير سرير يمكن أن تجلبوا الجثة إليه
لن يخبركم أحد أنّ في وسط هذا كله عليكم أن تلقوا الوداع وأن تتحدثوا مع الجسد وتقبلوه وتخبروه بكل شيء، لأجلكم لا لأجله. سيخبركم الجميع عن كم دزينة معمول عليك أن تحضر للتوزيع على المعزين، وعن الشرع وكيف تجلسون وتستقبلون. لن يخبركم أحد أنّ غسل الموتى ليس مخيفاً وأنّكم بحاجة الى القليل من الوقت مع الجسد لتبدأوا مرحلة العزاء، ومن ثم مرحلة الشفاء. لن يشفيكم هذا كله، لكن سيكون بداية للشفاء، وللتصالح مع فكرة أنّ الأجساد هي أجساد وأنّ الأشخاص يغادرون الى مكان أفضل
ماتت أمّي بهدوء وسلام، وغادرت للمرة الأخيرة في كفنٍ أبيض. كانت لربما أصعب لحظة في حياتنا. تركت أمّنا ثمانية أبناء،أربعة أولاد وثلاث بنات وزوجها التسعيني مد الله في أعمارهم جميعا بأحفادهما الستة عشر والصغيرين الرضيعين من صلب بعض أحفادهما في انتظار المزيد من ذريتها بحول الله تعالى وقوته على هذه الأرض
حظيت أمّنا بميتة طاهرة هادئة وساكنة في منتصف نهار الجمعة ومنتصف شهر رمضان المعظم، فموتها كان صعباً والشفاء منه لن يكون سهلاً. كانت أمّنا شخصاً صبورا لا يشكو ولا يتعب، ماتت كما هي، جميلة هادئة ماتت أمّنا بسلام وسط عالم متعب بحرب الشرق الأوسط. غادرت من دون خوف. سنتذكرها للأبد، كل يوم حينما نستيقظ، وقبل أن ننام، في كلّ مرة تأخذنا أمواج الحياة، وفي كلّ مرة نشتمّ رائحة عطرها الجميل، وفي كلّ مرة تمطر أو تسطع الشمس أو نرى النجوم، كل يوم، نتذكرها للأبد
ومما يثلج الصدر ويسعد الفؤاد في هذا الموت المفجع، هو ذلك العمل الإحساني الذي قدمته جمعية نجمة سواعد الخير بالدارالبيضاء بعد سماعها بخبر الوفاة إذ قدمت لأهل غزة سقيا الماء باسم المرحومة أمة الله محجوبة جوهري،نسأل الله أن يتقبلها منهم قبولا حسنا،ولا يفوتنا أن نقدم آيات الشكر والامتنان لكل تلك الجموع الغفيرة التي حجت من كل فج عميق إلى موعد الدفن من أحبابها وأهلها وأهل زوجها وأسرتها الكبيرة والصغيرة وأقاربها وجيرانها ناهيك عن الاتصالات الهاتفية التي وردت بكثافة كل يوم وليلة على أبنائها وبناتها وأخوالهم وخالاتهم من أوروبا وأمريكا ومن داخل أرجاء الوطن الأم
حكم مأثورة عن الموت هادم اللذات
سفيان الثوري: “توسدوا الموت إذا نمتم، واجعلوه نصب أعينكم”.
عائشة رضي الله عنها: “أكثري من ذكر الموت يرق قلبك”.
من بديع مواعظ الإمام الحسن البصري رحمه الله قوله: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه: من الموت

عبدالفتاح المنطري كاتب صحفي

الاخبار العاجلة