الصديقي: الحكامة في قطاع التعليم.. جهة مراكش آسفي نموذجا

فاربريس/محمد الصديقي

ليس في التدبير ما يزين ولا يشين ما عدا ما يفرح المرتفقين والرأي العام، وباتت فرحة الناس أكيدة عندما تخرج عليهم “بشرى” إعفاء مسؤول إداري أو سياسي من مهامه، وكأن فرجا حل وقصاصا قضي لصالح “المستضعفين”، بات الرأي العام يتلذذ بهكذا أخبار ويستغلها للنكاية بأشخاص أو مناصب، المهم أنها تحقق لديه لذة ومتعة عندما يرى عزيز قوم ذل.
وحين نسائل مبدأ الحكامة في جهة مراكش آسفي، لا نسائلها نكاية في أشخاص أو مناصب، ولكن نكاية في الحكامة نفسها، ولا سيما أنها منظمة بمقتضى الدستور المغربي الذي يعدها تعبيرا عن الفلسفة العامة للتغير المأمول بمحاربة الفساد وسوء التسيير والتدبير الذي نخر الإدارات العمومية المغربية ومؤسساتها، فقد خصص الدستور المغربي لموضوع الحكامة الجيدة الباب الثاني عشر (12) ويتألف من سبعة عشر (17) فصلا (من 154 إلى 171)، وضمن فيها آليات لممارسة الشفافية والمحاسبة في المراقبة والتتبع لضمان الجودة وقيم الديمقراطية؛ فقد ورد في الفصل 154 ما يأتي: “تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور”.
ونص الفصل 156 على أن تقدم المرافق العمومية الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وتخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم.
كما صدر طبقا للفصل 157 بتاريخ 22 يوليوز 2021 القانون 19-54 في شأن ميثاق للمرافق العمومية حدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية الأخرى والأجهزة العمومية.
ومن بين أهم ما جاء في هذا القانون في المادة 4 المتعلقة بأهداف وقواعد الحكامة الجيدة أنها قوم على:

  • تعزيز نجاعة المرافق العمومية وتدبير مواردها؛
  • ترسيخ قيم النزاهة من خلال اعتماد آليات التخليق وتطوير السلوك الوظيفي؛
  • إعمال مبدأ الشفافية، من خلال تقديم ونشر المعطيات والمعلومات المتعلقة بالمرافق العمومية والخدمة العمومية؛
    كما نصت المادة الخامسة (5) أن المرافق العمومية تخضع لمبادئ منها:
  • الجودة، عبر تقديم خدمات تستجيب لحاجيات المرتفقين وانتظاراتهم، بتعبئة جميع الوسائل المتاحة، أخذا بعين الاعتبار تحقيق النجاعة والفعالية؛
  • الشفافية، عبر تمكين العموم من الولوج إلى المعلومات، لا سيما تلك المتعلقة بسير وعمل المرافق العمومية والخدمات التي تقدمها مع احترام اللغتين الرسميتين للبلاد، مع مراعاة النصوص التشريعية الجاري بها العمل؛
  • ربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال إلزام مسؤولي المرافق العمومية بتقديم الحساب عن تدبيرهم للأموال العمومية وعن أدائهم بناء على النتائج المحققة مقارنة مع الأهداف المسطرة والوسائل الممنوحة؛
  • النزاهة، من خلال تقيد موظفي وأعوان ومستخدمي المرافق العمومية بقواعد السلوك المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل؛
  • الانفتاح، من خلال التواصل مع المرتفقين وتلقي ملاحظاتهم واقتراحاتهم وتظلماتهم بخصوص تطوير أداء المرفق العام والتفاعل معها.
    ونص قانون الوظيفة العمومية، الظهير الشريف 1.58.008 الصادر بتاريخ 24 فبراير 1958 كما وقع تغييره وتتميمه، في فصله السابع عشر عن مسؤولية الرئيس عن تصرفات وهفوات مرؤوسيه: “كل موظف كيفما كانت رتبته في السلك الإداري مسؤول عن القيام بالمهام التي عهد بها إليه. كما أن الموظف المكلف بتسيير مصلحة من المصالح مسؤول أمام رؤسائه عن السلطة المخولة له لهذا الغرض وعن تنفيذ الأوامر الصادرة عنه. ولا يبرأ في شيء من المسؤوليات الملقاة على عاتقه بسبب المسؤولية المنوطة بمرؤوسيه.
    وكل هفوة يرتكبها الموظف في تأدية وظيفته أو عند مباشرتها تعرضه لعقوبة تأديبية زيادة إن اقتضى الحال، عن العقوبات التي ينص عليها القانون الجنائي.”
    مناسبة إيراد كل هذه المراجع القانونية أمران:
    أولهما التذكير بجمال القوانين ونجاعة الترسانة القانونية المنظمة للمرفق العمومي، وفهم المفارقة الكبيرة من المكتوب والمعيش في بلد لا زال يعيش دهشة النص وصدمة التدبير؛
    ثانيهما حجم المسؤولين الإقليميين الذين تم إعفاؤهم في قطاع التعليم خلال فترة تولي المدير الجهوي الحالي مسؤولية تدبير القطاع في الجهة، وحدود مسؤولية الإدارة الجهوية في الاختلالات التي ترتكبها المصالح الخارجية للأكاديمية؛
    ففي حدود ما تمكنت من إحصائه فقد تم إنهاء مهام أحد عشر (11) مسؤولا إقليميا، وعدم تزكية اثنين (مديرين إقليميين) كلفتهما الأكاديمية بتدبير مديريتي الحوز وآسفي في انتظار صدور نتائج المقابلة. والكل يعلم أنه غالبا ما يتم تزكية مسؤول مؤقت كُلِّف بتدير مصلحة أو قسم أو مديرية، وفي حال عدم تزكيته فالأمر يتعلق بسوء تقدير من المسؤولين الجهويين، أو بظهور حالات أكثر كفاءة من خارج الجهة، بما أن موظفي الجهة معروفون بكفاءتهم ومردوديتهم لدى الإدارة الجهوية على الأقل، فلو تم إقرار مسؤول من خارج الجهة لاعتبر الأمر عاديا كما هو في مديرية الحوز، ولكن أن يتم تعيين موظف من داخل الجهة خارج من زكته الإدارة الجهوية فهنا يحق لنا أن نتساءل عن معايير الانتقاء في التكليف، ومصداقية تزكية آخرين في مناصبهم.
    في المديرية الإقليمية لشيشاوة تناوب على منصب مدير إقليمي ثلاثة مسؤولين انتهى مسارهم بالإعفاء من قبل وزير التربية الوطنية بعد قضاء مدد زمنية متفاوتة كلها قصيرة، وفي الحوز قضى مسؤول إقليمي سابق أكثر من سبع سنوات في منصب مدير إقليمي متجاوزا المدة الزمنية المحددة في مناصب المسؤولية ثم عين مديرا إقليميا فيما بعد في مديرية إقليمية بجهة مراكش آسفي (اليوسفية)، وهذا يطرح علامة استفهام حول علاقة المسؤولين الجهويين بالمديرين الإقليميين الذين يشتغلون تحت مسؤوليتهم.
    مديرية آسفي تعاني حاليا من خصاص ثلاثة رؤساء مصالح شاغرة منذ مدة، (مصلحة الشؤون المالية، الشؤون القانونية، والتخطيط) وستنضاف في مطلع السنة المقبلة مصلحتان سيتقاعد مسؤولاها (الموارد البشرية والشؤون التربوية)، وهوما يعني خصاصا في خمسة رؤساء مصالح مع بداية السنة المقبلة ما لم يتم تدارك الأمر في ما تبقى من هذه السنة. فكيف يمكن تقديم خدمات الجودة والشفافية والنزاهة، في وضعية معطوبة كهذه؟
    في مديرية الحوز، أيضا، لازال منصب رئيس مصلحة الشؤون التربوية، وهو عصب المديرية، شاغرا لمدة ثلاث سنوات مع تكليف مفتش بهذا المنصب إضافة إلى مهامه الأصلية المرتبطة بمقاطعة التفتيش ناهيك عن كونه مكلفا بمهمة منسق إقليمي لمجلس التنسيق بالمديرية ذاتها.
    وفي المديرية ذاتها مصلحة تأطير المؤسسات التعليمية والتوجيه بقيت شاغرة وبدون تكليف مؤقت لسد الخصاص، ولا يُعلم إن كان سيوقع التكليف برئاسة المصلحة السيد الوزير أو ربما سيوقعه المدير الإقليمي وسيكون ذلك فيه نظر من الناحية القانونية.
    إذا كان الخصاص بالمديريات الإقليمية في رؤساء المصالح لم يدبر بالشكل المطلوب ولا بالسرعة المقبولة، فالأكاديمية نفسها لم تدبر الخصاص في أقسامها ومصالحها بما يجعلها في مقربة من الحكامة المحلية، فالمركز الجهوي للامتحانات وهو في حكم مصلحة بالأكاديمية مسند بالتكليف منذ مدة تتجاوز السنة رغم أهمية هذه البنية الإدارية وحساسيتها، وهنا يطرح السؤال إذا كانت الأكاديمية عاجزة عن تدبير هذا الخصاص فكيف ستنجح في تدبير مرحلة إحداث قسم التعليم الأولي ورؤساء مصالحه بالمديريات، والأمر نفسه يطرح أيضا في قطاع الرياضة الذي انضاف إلى هيكلة الوزارة فيما إذا تم إحداث بنيات إدارية له تابعة للتعليم المدرسي غير بنيات الجمعية الرياضية التي كانت سلفا تابعة لقانون الحريات العامة ولا زال إطارها التنظيمي مقسما بين الوزارة والجمعية؟
    أن يتم إعفاء هذا العدد من المسؤولين دون أن يتم إعفاء أي مسؤول جهوي، أو محاسبته على اختلالات مصالحه الخارجية أمر يبعث على الريبة ويحتاج إلى شفافية أكثر وضوحا، وعندما يتكرر إعفاء مسؤولين عن المنصب نفسه ثلاث مرات على التوالي فهذا من قبيل العبث والحكامة غير الرشيدة. فأي توازنات هذه تجعل مسؤولا جهويا يرتقي عن المحاسبة؟ أي حصانة هذه تقيه شر المحاسبة والحكامة على الرغم من “فساد” بعض مسؤوليه الخارجيين، وورود اسمه ضمن لائحة المسؤولين الأوائل عن فشل تدبير المخطط الاستعجالي في تقرير المجلس الأعلى للحسابات؟
    ورد في المادة 14 من ميثاق المرفق العمومي ما يأتي: يجب على المرافق العمومية أن تقوم بإجراء عمليات منتظمة للتدقيق ولمراقبة التدبير، وبإخضاع مصالحها لرقابة داخلية، ضمانا لحسن سيرها ونجاعة أدائها.
    وفي المادة 19 ورد ما يأتي: تقوم المرافق العمومية، بكيفية منتظمة، بتقييم أداء مواردها البشرية بناء على الأهداف والمهام المحددة لها. تعتمد نتائج التقييم في تحفيز الموارد البشرية وتأهيلها ومحاسبتها.
    وبعيدا عن توقيت صدور القانون هذا، الذي قد يعتبر البعض أن صدر حديثا، فلا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار كما قبل صدوره مجيزا للسيبة والتسيب، فالقوانين المتوفرة لا تعفي المسؤولين الجهويين من تحمل مسؤولياتهم عن سوء تصرف مرؤوسيهم.
    وبعيدا عن الإعفاءات، هناك قضايا تحتاج إلى مساءلة لأن القانون فيها واضح، فكيف نفسر تكليف مديري بعض المؤسسات بمهام إدارية بمقر المديرية مما ينعكس على أدائهم كقادة تربويين بمؤسساتهم، والأكثر من ذلك كيف يمكن فهم تكليف أساتذة بمهام إدارية بالمديرية ضدا على مذكرة الوزير السابق محمد الوفا التي تمنع ذلك منعا قاطعا واضحا لا غبار عليه، ولم يصدر ما ينسخها أو يلغيها؟
    هذا من جانب، ومن جهة أخرى كيف نفسر ما وقع جهويا في التكوين المستمر مع نهاية السنة المالية 2021، خلال شهري نونبر ودجنبر، إسهال من التكوينات بدون مصوغات معدة سلفا، وبدون تحضير محكم، تكديس لساعات التكوين في مدة قصيرة، تسببت في هدر الزمن المدرسي، مع تسجيل تحفظات كثيرة ومتعددة على عدة هذه التكوينات وجودتها.
    كيف نفسر التأخر المتكرر في صرف تعويضات مختلف المتدخلين لمدد طويلة يصل بعضها إلى سنتين، مما يطرح السؤال عن مضامين ما تصادق عليه المجالس الإدارية للأكاديمية في نهاية كل سنة مالية برئاسة وزير التربية الوطنية؟

ومن القضايا التي ينبغي افتحاصها بدقة تسبب الأكاديمية الجهوية للإدارة المركزية في قرارات معيبة بسبب ضعف التكوين القانوني والإداري للمسؤولين الجهويين والإقليميين حيث وصل بعضها إلى القضاء الإداري، وحكم لمصلحة المشتكين ضد الإدارة، وفي هذا إساءة للقيمة الاعتبارية للمرفق العمومي، وتبذير للمال العام لتغطية أتعاب المحامين والمطالبين بالحق المدني.
ختاما، وليس نهاية، يساءل هذا الموضوع، كفاء المسؤولين عن تدبير الشأن العام إقليميا وجهويا، ومعايير وضع المرفق العمومي رهن إشارة من ليس له الكفاءة الكافية في التدبير والتقدير والتتبع والتقييم.
ورد في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2009 ما يأتي: “ويشكل الإصلاح القويم لنظام التربية والتعليم والتكوين، المسار الحاسم لرفع التحدي التنموي، فعلى الجميع أن يستشعر أن الأمر لا يتعلق بمجرد إصلاح قطاعي، وإنما بمعركة مصيرية لرفع هذا التحدي الحيوي. سبيلنا إلى ذلك الارتقاء بالبحث والابتكار وتأهيل مواردنا البشرية التي هي رصيدنا الأساسي لترسيخ تكافؤ الفرص وبناء مجتمع واقتصاد المعرفة وتوفير الشغل المنتج لشبابنا.”
فماذا إن كان العائق هو الموارد البشرية نفسها التي تم إعفاؤها لمرات عديدة، من مناصبها، دون أن يتم محاسبة رؤسائها المباشرين؟
“عندما يكون الشخص أكبر من المنصب تجده متواضعا وخدوما ومنتجا، وحين يكون المنصب أكبر من الشخص تجده مغرورا وأجوف ومتسلطا.”
محمد الصديقي
عضو المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم
الكونفدرالية الديمقراطية للشغل

Loading...