كتاب الاراءمجتمع

انتخابات 8 شتنبر 2021 : الدروس والتداعايات

فار بريس. بقلم / جلال دحموني

في هذا المقال سأحاول تسليط الأضواء على الأجواء التي رسمت العملية السياسية لـ 8 شتنبر الجاري والمناخ السياسي الذي كان سائدا قبلها وكيف أصبح بعدها وتداعياتها على مستقبل التنمية ببلادنا وارتداداتها على تدبير السياسات العمومية.
قبل الخوض في موضوع هذا المقال أرى أنه من الضروري إبراز بعض المفاهيم الأولية لبعض المصطلحات التي تشكل جوهر هذا المقال وصلبه وعموده الفقري وهي : العملية السياسية – التنمية – المناخ السياسي.
نقصد بالعملية السياسية كل استحقاق ديمقراطي وتدافع سياسي بين كافة الأحزاب السياسية المشاركة في اللعبة السياسية أي الانتخابات على أساس برامجها وعروضها السياسية التي تقدمها للمواطنين والمواطنات الذين يبقى لهم القرار السيادي في اختيار من سيتولى تدبير شؤونهم العمومية سواء على مستوى الجماعات الترابية أو على مستوى المجلس التشريعي من خلال عملية التصويت، ومن ثمة فإن الانتخابات توصف بكونها عملية سياسية يتم من خلالها انتداب نخب سياسية جديدة أو تجديد الثقة في النخب التي كانت تسير الشأن العام ماقبل يوم الاقتراع، بينما التنمية نعني بها العمل على خلق الارتياح الشامل للمواطنين والمواطنات.
أما المناخ السياسي نعني به طبيعة الحياة العامة داخل المجتمع وظروفها ، هل هي ظروف مواتية لبناء التنمية المحلية والوطنية وهل المواطن يتلمس داخل هذا المناخ الامن والآمان، وهل له هوامش واسعة من الحريات العامة، وهل هذا المناخ يوفر آليات حماية حقوق الانسان وتوفير آليات البناء الاقتصادي والازدهار الثقافي أم يتسم بنوع من الاحتقان والتجاوزات القانونية والتدبير العشوائي للشأن العام؟ بعبارة أخرى هل السياسات العمومية تعتمد على أسس الحكامة الجيدة وعقلنة استعمال الموارد المالية ؟ وهل تستثمر في الانسان ؟ وكيف يتم ترتيب سلم الاولويات وعلى أي أساس؟
قبل يوم 8 شتنبر 2021، كان معظم المواطنين والمواطنات ينشدون التغيير الذي يمكنهم من العيش الكريم وتمكينهم من بيئة اقتصادية واجتماعية تتيح لهم تفجير طاقتهم الابداعية وتحقيق مشاريعهم الاستثمارية، ويتضح هذا الأمر جليا من خلال الانتقاد الشديد الذي كان يستهدف حكومة سعد الدين العثماني والمجالس الجماعية عبر مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، علما وأن عهد حكومة بنكيران وحكومة خلفه سعد الدين العثماني عرفت احتقانات اجتماعية في عدة مدن وقرى مغربية واكبتها ردة حقوقية وتغول الفساد وتنامي الاقتصاد غير المهيكل الذي تسبب في فوضى حقيقية داخل الحواضر الكبرى (باعة جائلين) وأزمة خانقة خلال فترة الحجر الصحي بسبب وباء كورونا.
إذن كان طبيعي جدا أن ترتفع وتيرة النقد وحدتها وقساوتها وأن تتوسع دائرتها ضد حكومة سعد الدين العثماني والطريقة التي كانت تدبر بها السياسات العمومية، وهذا ما جعلنا نعتقد أن نسبة الوعي الاجتماعي والسياسي قد ارتفع في أوساط الشباب بصفة خاصة وفي أوساط عموم الناس بصفة عامة.
وارتفاع مستوى الوعي يؤشر على أن أي عملية سياسية ستمر بشكل صحيح وسليم وأن المواطن سيختار نخب جديدة وكفاءات علمية ومعرفية بحكم أنه مسلح بالوعي السياسي والاجتماعي.
غير أن الأجواء التي طبعت يوم الاقتراع في 8 شتنبر 2021، وما أفرزته من نتائج وتداعيات يدعونا إلى تقييم تنبؤاتنا ما قبل تاريخ هذه المحطة الاستحقاقية ومراجعتها والتأمل في حيثياتها ونتائجها، سلبياتها وإيجابيتها لتدارك الأخطاء ولتصحيح الكثير من المعتقدات التي نبنيها على معطيات الواقع.
فإذا كان الشباب يشكل عمود المغرب ورجال مستقبله، فإن نسبة الشباب الذين ينتمون للفئة العمرية 18-25 سنة المسجلين باللوائح الانتخابية لا يشكلون سوى نسبة أقل من 4% من مجموع المسجلين، وهذا يعني أنهم في الوقت الذي يقومون بانتقاد الحكومة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإنهم يدبرون عن المشاركة في صناعة القرار السياسي من خلال عزوفهم عن السياسة ترشيحا وتصويتا، كما أن نسبة كبيرة من المواطنين أدبرت عن المشاركة في العملية السياسية لـ 8 شتنبر 2021 من خلال العزوف عن التصويت، فيما نسبة أخرى من المواطنين تاجروا للأسف الشديد في بيع ذممهم لمن دفع لهم.. وهذا يعطي استنتاجين خطيرين هما : غياب الوعي السياسي بأهمية المحطة الانتخابية في صناعة التغيير، وإعادة العديد من الوجوه الفاسدة لمواقع المسؤولية خصوصا التي تم ذرها في تقارير المجلس الاعلى للحسابات وكذلك الوجوه التي ارتفعت الاحتقانات الاجتماعية في عهدها على مستوى جماعات ترابية وتسببت في هدر المال العام وتبديده بطريقة أو أخرى.
كما أن ملاحظة أخرى أفرزتها استحقاقات 8 شتنبر 2021 لا تقل أهمية تم تسجيلها والتي تتمثل في رداءة الفعل السياسي على مستوى بعض الاقاليم والمدن، خصوصا الأحزاب التي لها تمثيليات تنظيمية اقليمية وجهوية أو محلية، فمثلا على مستوى فاس، تبين بالملموس أن بعض الاحزاب كان بإمكانها تحقيق نتائج جيدة وأكبر عدد من المقاعد، لكن بسبب علة في منسقيها أو كتابها الاقليمييين، خسرت الرهان أو لم تحقق النتائج المنشودة…مما يستدعي إعادة النظر في إعادة هيكلة العديد من المنسقيات والكتابات الاقليمية لبعض الاحزاب السياسية لأجل تدارك هذه الاخطاء القاتلة في الاستحقاقات المقبلة .
محطة 8 شتنبر 2021 هي فرصة لكافة الاطياف السياسية لمراجعة أوراقها وهياكلها التنظيمية على مستوى أقاليم وجهات المملكة لكي تقوم بأدوارها ووظائفها في التأطير والتكوين وفي فرز نخب المستقبل الذي يفكرون بحس وطني ولهم قدرة على الابداع السياسي والتعاطي مع المعضلات المحلية والتواصل مع المواطنين والمواطنات واشراك المواطن في إنجاح أي عملية سياسية خصوصا الشباب على اعتبار أن المستقبل هو مستقبلهم والالتزام أيضا بتوفير وضمان الحرية للرجال والنساء وضمان حقهم في أن يعيشوا حياتهم وأن يربوا أولادهم وبناتهم بكرامة وفي مأمن من الجوع والخوف من العنف أو القمع أو الظلم وعدم حرمان أي فرد أو أمة من فرصة الاستفادة من التنمية على أساس ضمان المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص للرجل والمرأة وتقديس الثوابت الوطنية التي تشكل الضمانة الاساسية لأمن واستقرار هذا البلد الأمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!