مطرح نفايات وادي زم يشتعل من جديد.. حين يتحول الدخان إلى إنذار بيئي

مجد الدين سعوديمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
مطرح نفايات وادي زم يشتعل من جديد.. حين يتحول الدخان إلى إنذار بيئي

عاد مطرح النفايات بمدينة وادي زم إلى واجهة النقاش العمومي، بعد تجدد اندلاع النيران وتصاعد أعمدة الدخان منه، في مشهد يعيد إلى الواجهة أسئلة مقلقة حول الوضع البيئي بالمدينة، وحول الطريقة التي يتم بها تدبير واحد من أكثر الملفات التصاقاً بصحة السكان وجودة حياتهم.

فقد شهد المطرح الإقليمي لوادي زم، يوم السبت 8 غشت 2026، اندلاع حريق جديد، وفق إفادات متداولة محلياً وشهادات لعدد من السكان، وسط تصاعد للدخان وانتشار للروائح المنبعثة من النفايات المحترقة. وبينما قد يبدو إخماد النيران حلاً آنياً، فإن تكرار الحرائق يجعل السؤال أكبر من مجرد حادث عابر: لماذا تتكرر الحرائق، ومتى سيتم الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع المشكلة إلى منطق الوقاية ومعالجة جذورها؟

دخان في السماء.. وقلق في المدينة

لا تكمن خطورة حرائق مطرح النفايات في ألسنة اللهب وحدها، وإنما في ما تحمله معها من انبعاثات وروائح وجسيمات وغازات قد تنتج عن احتراق النفايات المختلطة، خصوصاً البلاستيك والمطاط وغيرها من المواد.

وتزداد حدة المخاوف خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، حين تصبح ظروف انتشار الروائح والدخان أكثر إزعاجاً للسكان، ولا سيما القاطنين بالمناطق القريبة من المطرح.

وقد عبّرت ساكنة وادي زم، في مناسبات مختلفة، عن استيائها من الروائح والدخان المنبعثين من المطرح، مطالبة بتدخل جدي يضع حداً لهذه الوضعية. كما أثارت فعاليات حقوقية وبيئية، في وقت سابق، مسألة التدهور البيئي المرتبط بالمطرح وما يمكن أن يترتب عنه من انعكاسات على البيئة والصحة العامة.

المشكلة لا تنتهي بانطفاء النار

إذا كان الحريق هو المشهد الأكثر وضوحاً، فإن التداعيات المحتملة قد تتجاوز حدود الهواء إلى التربة والمياه والغطاء النباتي المحيط بالمطرح.

فالرماد ومخلفات الاحتراق قد تحتوي على مواد ملوثة، كما أن مياه الأمطار المتسربة عبر النفايات والرماد يمكن، في حال غياب أنظمة فعالة للعزل والتجميع والمعالجة، أن تساهم في انتقال بعض الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية.

كما أن تراكم النفايات العضوية وتحللها داخل المطرح قد يؤدي إلى إنتاج غازات قابلة للاشتعال، وهو ما يجعل الوقاية من الحرائق جزءاً لا يتجزأ من التدبير السليم والمستدام للنفايات.

وبذلك، فإن التعامل مع الحريق باعتباره حادثاً منفصلاً عن منظومة تدبير النفايات قد لا يكون كافياً؛ لأن تكرار الظاهرة يوحي بوجود اختلالات تحتاج إلى تشخيص ومعالجة من جذورها.

الساكنة تدفع ثمن الأزمة

في قلب هذه الإشكالية توجد ساكنة وادي زم، التي لا تنظر إلى الدخان والروائح باعتبارهما مجرد مصدر إزعاج مؤقت، بل باعتبارهما قضية مرتبطة بحق أساسي في بيئة سليمة وهواء ذي جودة مقبولة.

ومن هنا، فإن استمرار الوضع يفرض فتح نقاش مسؤول حول مدى نجاعة التدابير المتخذة، وحول مستوى المراقبة البيئية للمطرح، وحول الإجراءات المتوفرة لمنع اندلاع الحرائق أو الحد من آثارها.

فالساكنة لا تحتاج فقط إلى معرفة متى سيتم إخماد الحريق، وإنما تحتاج إلى معرفة متى سيتم وضع حد نهائي للأسباب التي تجعل المطرح يعود، بين حين وآخر، إلى واجهة القلق البيئي.

من إطفاء الحرائق إلى معالجة أصل المشكلة

تجدد الحريق يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تكفي التدخلات الظرفية لإخماد النيران، أم أن الوقت قد حان لاعتماد مقاربة شاملة لإعادة تأهيل المطرح وتحسين منظومة تدبير النفايات؟

المطلوب، في هذا السياق، لا يقتصر على الإخماد، بل يشمل تأهيل المطرح وفق الشروط البيئية المعمول بها، والحد من الحرق غير المراقب، وتعزيز المراقبة، وتطوير عمليات الفرز والتثمين وإعادة التدوير، فضلاً عن اعتماد آليات فعالة لتدبير النفايات العضوية والحد من إنتاج الغازات القابلة للاشتعال.

كما أن إجراء قياسات دورية وشفافة لجودة الهواء والتربة والمياه في محيط المطرح يمكن أن يوفر معطيات علمية دقيقة حول الوضع البيئي، ويتيح الانتقال من دائرة التخمين والمخاوف إلى دائرة التشخيص العلمي واتخاذ القرار المبني على المعطيات.

وادي زم لا تحتاج إلى حريق جديد كي تتذكر ملفها البيئي

لقد أعاد الحريق الأخير ملف مطرح النفايات إلى الواجهة، لكنه في العمق أعاد طرح قضية أوسع تتعلق بحق المدينة في تدبير بيئي حديث ومستدام يحمي السكان ويحافظ على المجال الطبيعي.

فإخماد النيران ضرورة عاجلة، لكن منع عودتها هو الاختبار الحقيقي لجدية أي معالجة.

وما تنتظره ساكنة وادي زم اليوم ليس تدخلاً ظرفياً ينتهي بانطفاء اللهب، وإنما رؤية واضحة لمعالجة أصل المشكلة، وتأهيل المطرح، ومراقبة الانبعاثات والتسربات، وتوفير المعطيات البيئية للرأي العام، بما يضمن حماية الإنسان والمجال.

فحين يتحول مطرح النفايات إلى مصدر متكرر للدخان والروائح والقلق، فإن القضية لم تعد مجرد حريق عابر، بل أصبحت ملفاً بيئياً يستحق الحسم، ومسؤولية جماعية لا ينبغي أن تؤجل إلى أن تشتعل النيران من جديد.

 

فابريس

الاخبار العاجلة