من الدراسات والأبحاث العلمية إلى المشاريع الميدانية.. توجه جديد نحو تثمين المعرفة وتحويلها إلى إنجازات تخدم قطاع الصيد البحري والاقتصاد الوطني.
يواصل المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري تعزيز مكانته كفاعل علمي واستراتيجي في تطوير قطاع الصيد البحري بالمغرب، من خلال الأبحاث والدراسات العلمية والتجارب التطبيقية التي تهدف إلى تثمين الثروات البحرية، واستكشاف آفاق إنتاجية جديدة، والمساهمة في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة قائمة على الاستغلال العقلاني والمسؤول للموارد الطبيعية.
وتكتسي هذه المهمة أهمية متزايدة في ظل التحولات التي يعرفها القطاع، حيث لم يعد دور البحث العلمي مقتصراً على دراسة الموارد البحرية ومراقبة حالتها، بل أصبح يشكل ركيزة أساسية لتوجيه السياسات القطاعية، ومواكبة الاستثمار، وابتكار بدائل إنتاجية قادرة على تعزيز الاقتصاد الأزرق وخلق فرص جديدة للتنمية.
وفي هذا السياق، تشهد المؤسسة مع إدارتها الجديدة مرحلة من الدينامية المتجددة، عنوانها إعطاء دفعة قوية للعمل العلمي والتقني، وتسريع وتيرة إنجاز البرامج والمشاريع، والعمل على تجاوز مرحلة الدراسات والتصورات نحو تجسيد نتائج الأبحاث على أرض الواقع. ويبرز في هذا التوجه دور المدير الجديد في الدفع بمختلف الأوراش والمبادرات، وتعزيز ثقافة الإنجاز والنجاعة، بما يجعل من المشاريع العلمية المنجزة أو قيد التطوير رافعة حقيقية لتحديث القطاع وتوسيع آفاقه الاقتصادية.
ويشكل التدشين الرسمي للمزرعة النموذجية لتربية الأسماك في عرض البحر بسيدي إفني، يوم 30 أكتوبر 2026، نموذجاً ملموساً لهذه التوجهات. فهذا المشروع الرائد، الذي أنجزه المعهد باستثمار إجمالي يناهز 50 مليون درهم، يمثل خطوة مهمة في مجال البحث التطبيقي وتطوير تربية الأحياء المائية بالمغرب، من خلال اختبار الإمكانات التقنية والاقتصادية لهذا النشاط في الوسط البحري المفتوح، رغم ما يميزه من ظروف هيدروديناميكية ومناخية صعبة.
وتكمن أهمية هذا المشروع في كونه يتجاوز حدود التجربة العلمية التقليدية، ليقدم نموذجاً عملياً يمكن أن يشكل أساساً لتطوير استثمارات جديدة في مجال تربية الأسماك، وتنويع مصادر الإنتاج البحري، وتخفيف الضغط على المصايد الطبيعية. كما تكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى المؤهلات التي كشفت عنها الخريطة الوطنية للمناطق الملائمة لتربية الأحياء المائية، والتي تقدر إمكاناتها الإنتاجية المستهدفة بأكثر من 300 ألف طن على مساحة تناهز 24 ألف هكتار.
وقد مكنت التجارب المنجزة بالمزرعة من تحقيق نتائج مشجعة، تمثلت في التحكم في دورة تربية سمك الزريقة الملكية، وبلوغ متوسط وزن تجاري يقدر بحوالي 400 غرام، مع تسجيل معدل بقاء استثنائي، وهي مؤشرات تؤكد أهمية البحث العلمي في تحويل الإمكانات البحرية إلى فرص إنتاجية واقتصادية قابلة للتطوير والاستثمار.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على الجانب الإنتاجي فحسب، بل تعكس أيضاً قدرة المعهد على الجمع بين البحث العلمي والتطوير التكنولوجي والشراكة مع القطاع الخاص، بما يسمح بنقل المعرفة والخبرة العلمية إلى المجال الاقتصادي، مع الحفاظ على الدور البحثي والتجريبي للمؤسسة.
إن هذه التجربة تبرز بوضوح أهمية التوجه الذي تسعى الإدارة الجديدة إلى ترسيخه، والمتمثل في جعل المشاريع والأبحاث العلمية أكثر ارتباطاً بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، وتسريع وتيرة تنفيذها حتى لا تبقى نتائج الدراسات حبيسة التقارير والرفوف، بل تتحول إلى مشاريع ملموسة ذات أثر مباشر على القطاع والمجالات الساحلية.
كما أن الرهان لا يقتصر على مشروع سيدي إفني وحده، بل يمتد إلى مختلف البرامج والأوراش البحثية التي يشتغل عليها المعهد في مجالات الأوقيانوغرافيا، وتقييم المخزونات السمكية، وتربية الأحياء المائية، والبيئة البحرية، والموارد الساحلية. وهي مجالات تتطلب مواصلة الاستثمار في البحث والابتكار، وتثمين الكفاءات العلمية والتقنية، وتعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات والمراكز الجهوية للمعهد.
وفي المحصلة، فإن تطوير قطاع الصيد البحري لا يمكن أن يتحقق دون مؤسسة بحثية قوية، قادرة على توفير المعرفة العلمية الدقيقة واستشراف التحديات المستقبلية، واقتراح الحلول العملية التي تضمن التوفيق بين المردودية الاقتصادية والمحافظة على التوازنات البيئية البحرية.
إن المرحلة الحالية تضع أمام المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري تحدياً أساسياً يتمثل في الانتقال من منطق إنجاز الدراسات والبرامج إلى منطق تحقيق النتائج والأثر الميداني. وهي مسؤولية تتطلب مواصلة الدينامية التي تقودها الإدارة الجديدة، وتسخير الإمكانات البشرية والعلمية والتقنية المتاحة لتسريع إنجاز المشاريع، وإخراج الأبحاث إلى حيز التطبيق، بما يعزز مساهمة البحث العلمي في بناء قطاع صيد بحري منتج وتنافسي ومستدام.
فالمعيار الحقيقي لنجاح البحث العلمي ليس فقط ما ينتجه من دراسات ومعطيات، بل أيضاً ما يقدمه من حلول ومشاريع وإنجازات تسهم في تطوير الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة





