تدوينة لعبد اللطيف بنصفية في فيسبوك

تدوينة لعبد اللطيف بنصفية في فيسبوك

فار بريس

يسعدني مشاركتكم بعض عناصر التحليل لفهم العرض التلفزي خلال شهر رمضان الكريم : خصوصية الفترة في حياة الجمهور: يمكن معاينة سلوك الجماهير المسلمة في شهر رمضان من زاويتين محددتين : ترتبط الأولى بالجانب الأخلاقي والنفسي الذي يذكيه تزايد الشعور الديني، فيما تخص الثانية الجانب العملي والمتعلق بترتيب الزمن وتوظيفه يوميا. أ. الجانب الأخلاقي و النفسي : يرمز إلى ما يخلقه حلول شهر رمضان من تحولات عميقة في شعور الأفراد والجماعات المسلمة. تستوجب فريضة الصيام التضرع إلى الله سبحانه بشكل كلي، والالتزام بضوابط سلوكية محكمة، ومن هنا الإقبال المكثف على الصلوات وعلى متابعة الأحاديث الدينية التوجيهية والتحسيسية، ثم الانخراط في أنشطة التكافل الاجتماعي والأعمال الخيرية سواء بشكل جماعي منظم أو فردي، وبالتالي النزوع إلى تهذيب النفس ارتقاء بها إلى قيم الطاعة والتسامح طمعا في إرضاء الخالق. يصاحب هذا الشعور والسلوك العقائدي، تنامي الإحساس لدى الجمهور العربي-الإسلامي بانتسابه التاريخي والحضاري وكذا القومي. ومن هنا أيضا إقباله على القراءات والروايات وكل ما يتناول قيم الإسلام والعروبة والمواقف الإنسانية النبيلة خلال حقب متفاوتة الإشراق من تاريخه.يمثل شهر رمضان كذلك بالنسبة للكثير مناسبة لإعادة النظر في الذات ولتقييم الحياة الشخصية والجماعية. يترجم هذا الاهتمام بالذات لدى الأفراد عند حلول شهر رمضان باتخاذ قرارات أو على الأقل الإعداد لها. كالانقطاع عن بعض العادات مثل التدخين، وممارسة بعض الأنشطة أو تنظيمها كالرياضة، وصلة الرحم وزيارة الأصدقاء، والتمسك بتقاليد الفطور الجماعي والسمر العائلي حول ما لذ من الطعام بتباه أحيانا…إلخ. وهو ما يؤكد حضور الذات والواقع المعيشي اليومي )الحياة الدنيا( أيام الصوم بموازاة مع الانشغالات الدينية العقائدية و… المهنية. كما أن التزام الجمهور المسلم في الشهر الفضيل يذكي أحاسيس الحياء والعفة. إن تجليات هذا العنصر الأخلاقي والنفسي التي تبرز لنا قابلية الجمهور واستعداده لاستقبال مادة إعلامية تتناول مواضيع متعلقة بنفس العنصر، تشكل معطيات موضوعية وأساسية لا مناص منها في تصور نوعية البرامج التلفزية التي ستبث إلى المشاهد في هذه الفترة بالضبط.ب. الجانب العملي اليومي : ونعني به التدبير اليومي للزمن وتوظيفه من قبل الأفراد والجماعات في ممارسة مختلف الأنشطة الدينية والدنيوية في النهار والليل على السواء من شهر رمضان، بما في ذلك متابعة البرامج عبر التلفزيون. يوظف الزمن أيام شهر رمضان خلال النهار في تدبير حالة الصيام وخلال الليل في الاستمتاع بمجهود الصوم والاستعداد لليوم الموالي. فإذا كان العمل سواء داخل البيت أو خارجه يأخذ القسط الأوفر من الوقت أثناء النهار في الصباح والزوال إلى حدود صلاة العصر، فإن الليل يخلد فيه الناس إلى الراحة والقيام بالصلوات والسمر العائلي وبعض النشطة المختلفة الأخرى. يأخذ توظيف الزمن هذا، منحى آخر خلال عطلة نهاية الأسبوع، بحيث يتسع حيز الراحة والتسلية بالنسبة لفئة عريضة، مع تسجيل فرق كبير بين الحواضر والبوادي. حضور التلفزيون في تدبير الزمن حضور قوي يتبوأ مكانة لا يستهان بها : ذلك أن الجمهور يخصص لبرامجه متابعة قصدية تندرج ضمن تدبيره اليومي للزمن ويعد ذلك نشاطا قائما بذاته ؛ ثم كون التلفزيون يشتغل باستمرار و أحيانا بدون انقطاع داخل البيوت والمحلات التجارية [التغذية العامة، المقاهي، الخدمات…] والمحلات المهنية [الحلاقة، الخياطة، الحرف التقليدية…] يجعل من مشاهدته نشاطا مرافقا وملازما لمختلف الأعمال والأشغال، وهو ما يمكن اعتباره متابعة غير قصدية. لذلك فإن تدبير الزمن في شهر رمضان تخضع له من جهة طبيعة المتابعة التلفزيونية وتتغير معه من جهة أخرى أوقات الذروة.العلاقة بين المشاهد والتلفزة : يمكن الوقوف عند طبيعة هذه العلاقة من خلال الاستعمال الذي يخصصه الجمهور للعروض التلفزية عبر المتابعة القصدية وغير القصدية وعبر الانتظارات المعلقة على البرامج. ثم من خلال الوضعية الناتجة عن تعدد وتكاثر القنوات التلفزيونية الفضائية وبالأخص العربية منها والتي تقدم، بالمناسبة وفي نفس الفترة، عروضا كثيرة و متنوعة.أ. استعمالات الجمهور للتلفزة في رمضان : تتميز طبيعة العلاقة بين الجمهور و التلفزة في رمضان بالإقبال الجماهيري الكبير على عروضها مقارنة مع باقي أشهر السنة. و تتعدد عوامل هذا الإقبال، نذكر من بينها : – أولا، عامل التقليد : فقد جرت العادة أن تتغير ملامح ومضامين البرامج في رمضان ويهيأ الجمهور سلفا لاستقبالها، وجعلها حدثا يجب إيلاؤه اهتماما خاصا. ففي شهر رمضان تبذل القنوات التلفزيونية مجهودات استثنائية على مستوى الإنتاج والبرمجة معا لدرجة أنه يشكل نوعا ما ” قطيعة ” مع ما يقدم خلال السنة. الشيء الذي يجعل الجمهور ينتظر ويتابع دائما هذا التغيير أو التمييز في العروض، وبالأخص الإنتاج المحلي، وهو ما يوحي بتحول عميق في العلاقة بين التلفزيون والجمهور في هذه الفترة. – ثانيا، الحاجة إلى التسلية و الترفيه و التفريج عن النفس : لا تخرج استعمالات الجمهور للتلفزة في رمضان بصفة عامة عن استعمالاته لها في باقي أشهر السنة. إلا أن اتساع مجال المشاهدة والحاجة إلى الراحة تجعل من برامج التسلية والسمر ( بما في ذلك البرامج الحوارية الخفيفة والجلسات الموسيقية) تأخذ نصيبا وافرا في شبكة البرامج خصوصا في المساء، مع تراجع طفيف في متابعة النشرات الإخبارية والذي يزيد من حدته التغيرات التي تطرأ على مواعيدها.- ثالثا، التلفزة كرفيق في تدبير أوقات الصوم وأوقات الإفطار: يرمز هذا العامل إلى الحالة النفسية التي يكون عليها الصائم خلال اليوم وحتى بعد الإفطار، والذي يجد في البرامج الدينية والتاريخية والثقافية والصحية.. إلخ، مؤازرة معنوية تساعده على تزجية الوقت بشكل إيجابي وعلى تحمل حالة الصوم خاصة لدى بعض الفئات. كما أن البرامج الليلية الفكاهية والدرامية والإخبارية والوثائقية تعد متنفسا قد يركن إليها المشاهد استعدادا لمجهود يوم الصوم الموالي.ب- الجمهور في وضعية الآمر : مع تعدد وتنوع القنوات التلفزيونية العربية التي تبث عبر الأقمار الاصطناعية والانترنت أصبح الجمهور المشاهد في كل الدول العربية بإمكانه الاستفادة من البرامج المعروضة خلال فترات الذروة المختلفة في جميع تلك القنوات. وبإمكانه كذلك تدبير سهراته واختيار ما يناسبه من برامج خاصة وأن المنافسة بين القنوات التلفزية العربية تعمل لصالحه. والملاحظ أن الحصة الزمنية الممتدة بين إعلان وقت الفطور إلى حدود آذان صلاة العشاء تعد المدة التي يخلو فيها الجمهور إلى التلفزة بشكل مريح وجماعي نوعا ما، وهي فترة ذروة المتابعة. غير أن اختلال التوقيت الزمني بين الأقطار العربية، يجعل فترة الذروة المفترضة هذه تتغير من قطر لآخر. وهي الفترة التي تعرض خلالها القنوات برامج ذات أهمية بالنسبة للجمهور وتؤمن عبرها بالتأكيد عائدات إشهارية ضخمة إلى درجة أن الصحف تناقلت تتنافس الفضائيات في رمضان على الأعمال الخليجية من أجل الإعلانات.وهذا يعني أن فترات الذروة بالنسبة للقنوات التلفزيونية الفضائية العربية التي تتوجه إلى الجمهور العربي كافة، تأخذ حيزا شاسعا جدا. مثلا إذا اعتبرنا على امتداد الوطن العربي الفرق بين آذان المغرب بمكة المكرمة والقاهرة هو ساعة واحدة، وبين تونس العاصمة ساعتان وبين الرباط ثلاث ساعات، يمكن تصور الفترة الممتدة من آذان صلاة المغرب في مكة المكرمة إلى حدود آذان صلاة العشاء في الرباط فترة ذروة المتابعة التلفزيونية العربية. وهو حيز يبلغ أكثر من أربع ساعات. وقد تتسع أكثر هذه المدة أو تضيق إذا ما تم تغيير في التوقيت المحلي. البرامج التي من المفترض أن يقبل عليها جمهور متنوع وعريض جدا خلال فترة الذروة والتي يمكن أن تستغلها القنوات بالتناوب هي فرصة سانحة كذلك لهاته للنظر من جديد في أدائها وعلاقتها مع جمهور يتميز بمواصفات دقيقة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *