الدكتور منير القادري يبرز الروابط التاريخية والدينية بين المغرب وافريقيا

الدكتور منير القادري يبرز الروابط التاريخية والدينية بين المغرب وافريقيا

فار بريس

تناول الدكتور منير القادري بودشيش مدير مؤسسة الملتقى ورئيس المركز الأورومتوسطي لدراسة الإسلام اليوم، في مداخلته في الليلة الافتراضية التاسعة والعشرين المنظمة من طرف مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بشراكة مع مؤسسة الجمال، السبت 28 نونبر الجاري، موضوع ”الهوية الدينية المغربية، الروابط التاريخية والبعد الإفريقي “.

أوضح في بدايتها أن علاقة المملكة المغربية ببعدها الإفريقي علاقة عميقة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وأنها قائمة على أسس متينة وروابط تاريخية ودينية وروحية، وأنه انطلاقا من بلاد المغرب الأقصى انتشر الإسلام السني المعتدل في ربوع إفريقيا.

وبين أن “المملكة المغربية الشريفة منذ قيام الدولة الادريسية وصولا إلى الدولة العلوية الشريفة كان لها دور فاعل في نشر نموذج متميز ومعتدل في التدين، قائم على المذهب المالكي والعقيدة الاشعرية والتصوف السني وإمارة المؤمنين، هذا النموذج الذي شكل الصرح الضامن والحصانة الذاتية والروحية والأخلاقية للشخصية الإفريقية من كل أشكال الاختراقات الاستعمارية الهدامة والإيديولوجيات و الأفكار المتطرفة”.

وأضاف أن المجتمعات الإسلامية في القارة الافريقية استقبلت بالترحاب النموذج المغربي في التدين بعد أن عانت من التفرقة والتمييز العرقي والعصبية القبلية، وهو ما جعلها تنعم بالأمن الروحي والسلم المجتمعي.

وأبرز الدور الكبير الذي لعبه التجار المغاربة والعلماء الصوفية في نشر الإسلام في مناطق واسعة من القارة الإفريقية، حيت استقر العديد من شيوخ الطرق الصوفية بهذه المناطق وعاشوا مع أهلها وتصاهروا معهم وانشأوا زوايا ومراكز للتدريس وتخريج الحفاظ والعلماء والمجاهدين، مستدلا على ذلك بالتواجد الكبير لهذه الزوايا والطرق الصوفية ذات الأصول المغربية وفروعها بالعديد من الدول الإفريقية، وخاصة الزاوية القادرية والزاوية التيجانية، والشاذلية.

وذكر على سبيل المثال تنظيم ملتقى المنتسبين للطريقة التجانية في كل دول العالم بالعاصمة الثقافية والروحية للمغرب فاس، مشيرا إلى أن العديد من الأفارقة يعتبرون زيارة المغرب واجبا دينيا وروحيا، وأضاف أن مدينة فاس وضريح سيدي أحمد التيجاني يعتبران الى الآن مزارا ومحجا للعديد من المريدين والوفود الآتية من غرب وجنوب إفريقيا.

وتطرق الدكتور القادري الى الجهود العظيمة التي بذلها العارفون بالله وشيوخ التربية المغاربة، والتي أدت الى ترسيخ دعائم المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف الجنيدي، والذين تميزوا بحسن الخلق وتقديم نماذج حية في القدوة الحسنة والمعاملة بالحسنى ومساعدة الضعيف، وإغاثة الملهوف على أساس من الأخوة الإنسانية والألفة وحب الخير للخلق أجمعين، بسبب إدراكهم للمعاني الإحسانية للتعارف انطلاقا من قوله عز وجل: “ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم” (سورة الحجرات، الآية 13).

وأضاف أن ما يحسب للزوايا والطرق الصوفية في هذا الباب، هي الجهود الكبيرة التي قامت بها في نشر تعاليم الإسلام في ربوع إفريقيا في غربها ووسطها و جنوبها، وثني شعوبها عن الوثنية، موردا في هذا الصدد مقولة لأحد المبشرين ” ما ذهبنا إلى أقاصي البلاد البعيدة عن الحضارة و المدينة في إفريقيا وأقاصي أسيا إلا وجدنا الصوفي سبقنا إليها و انتصر علينا ”، وتابع أن انتشار الإسلام في إفريقيا وخاصة في بلدان مثل السنيغال و مالي والنيجر و غينيا وغانا ونجيريا وتشاد وغيرها، إنما يرجع الفضل الكبير فيه إلى الطرق الصوفية خصوصا التجانية والشاذلية والقادرية.

وأوضح أن فروع هذه الزوايا كانت مراكز لنشر الدعوة الإسلامية بين الشعوب الإفريقية، و اختلاط الصوفية بالطبقات الشعبية في هذه البلاد بين العامة والفقراء مما أبدى لهؤلاء نماذج حية للإسلام لما اتصفوا به بمعالم التقوى والصلاح والأخلاق الفاضلة، إلى جانب الأدوار الاجتماعية وألوان البر و الاحسان التي اطلعوا بها، حيث أورد مقتطفا من الرسالة الملكية السامية الموجهة الى المشاركين في لقاء سيدي شيكر “إننا على يقين أن الرصيد الحي، الذي ورثه كل المنتسبين إلى التصوف، يتضمن القدرة على الاستمرارية والتجديد في آن واحد، الاستمرارية في صيانة الثوابت، في العقيدة والمذهب، والولاء لإمارة المؤمنين، والتجديد في المبادرات والسلوكات التي جعلت من أبناء الزوايا وأتباعها، أبناء وقتهم، ونماذج في القدوة وفي المسارعة إلى النفع”، وبين الدور الذي قامت به هذه الزوايا في تعليم اللغة العربية وإتقان الخط العربي، واختيار المتون التي يحفظها الطلاب وخاصة “دلائل الخيرات” للإمام الجزولي و”الشفا” للقاضي عياض و”مختصر خليل” في الفقه المالكي و”ألفية ابن مالك” في النحو و”متن ابن عاشر” في العقيدة والفقه، و مبادئ التصوف و غيرها والعناية بجمع المخطوطات العربية و إنشاء المكتبات العلمية في عدد من الحواضر الإفريقية.

و أورد مقتطفات من كتاب “التحدي” لجلالة المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني الذي وصف فيه جلالته المغرب بشجرة جذورها في افريقيا واغصانها تتنفس في أوروبا، وأن الاهتمام المغربي بالعمق الافريقي يعود الى عهد المرابطين لما تنازل ابو بكر بن عمر لابن عمه يوسف بن تاشفين عن الشمال لينطلق في بناء المغرب الافريقي الاندلسي (الاوروبي)، التي أثمرت دولة المرابطين التي وحدت المغربين الاوسط والاقصى وضمت الاندلس واسست اول امبراطورية مغاربية قوية.

وفي ذات السياق أورد مقولة لشارل أندري جوليان «لقد توطدت العلاقات بين المغرب الأقصى وبلاد السودان، منذ أن أزاح المرابطون أمراء غانة الوثنيين عن عروشهم وأدخلوا إلى الإسلام الطبقة الحاكمة بالسودان الغربي في القرن الحادي عشر، وربط الملوك المانديين بالنيجر الأعلى مع سلاطين المغرب علاقات دبلوماسية قارة، وتبادلوا معهم الهدايا، وتغلغلت الحضارة المغربية بمدن ولاته وتومبوكتو وديني وغاو».

وأكد الدكتور منير أن المغرب القوي بتاريخه العريق القائم على الوسطية والاعتدال والتسامح، يفرض نفسه كمحضن للإسلام الوسطي ومرجع متين في مجال الإصلاحات السياسية والدينية ما دفع الدول الإفريقية الشريكة لطلب الاستفادة من تجربة المملكة كقوة ناعمة تكريسا لاستقرارهم السياسي والروحي وقطع الطريق على تنامي الأفكار الظلامية.

وأضاف أن هذه العلاقات الروحية والإنسانية والثقافية لها عمقها التاريخي وأفقها الإنساني بحيث لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يمحوها أو يضع العراقيل في طريقها، مشيرا الى فشل القوى الاستعمارية في قطعها، لأن ملوك المغرب الشرفاء كانوا و ما زالوا حراسا لهذه العلاقات التي كانت و ما تزال تهدف في حقيقتها لوصل الرحم الإنسانية والإيمانية للأمة الإسلامية و لم الشمل الإفريقي، عملا بالحديث النبوي الشريف “ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها”.

وأشار الى ما جاء في الاستطلاع الذي أجراه الباحث السنغالي “بكاري سامبي”، المتخصص في العلاقات المغربية الإفريقية بشكل عام والمغربية السنغالية على وجه الخصوص، والمنشور في كتابه: “الإسلام والدبلوماسية: السياسة الإفريقية للمغرب”
” (Islam et diplomatie: la politique africaine du Maroc) الذي أكد فيه : ” أن الناس في السنغال يعتبرون ملوك المغرب حماة العقيدة الإسلامية»، مضيفا: «الناس بهذه البلاد (يقصد السنغال) تربطهم علاقات قوية بملوك المغرب”، مستدلا في سبيل ذلك “بالاستقبال الكبير الذي حظي به جلالة الملك محمد السادس أثناء قيامه بجولة إفريقية حيث خصص له أعيان وعلماء وشيوخ الطرق الصوفية بالسنغال استقبالا عظيما يليق بمقام أمير المؤمنين”.

وأوضح أن هذه العلاقة الروحية ازدادت رسوخا في وقتنا الحاضر مع العديد من المبادرات والزيارات الملكية التي قام بها جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده الى عدد من الأقطار الإفريقية، التي أعطت نمطا متميزا من العلاقات، من أبرز تجلياته رعاية المغرب مصالح الدول الإفريقية بتكوين طلابها ودعـمهم وتأطيرهم وتتبع مساراتهم، وأيضا استقبال علماءها وتكريمهم بمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات بمعهد محمد السادس بالرباط، فضلا عن إسهام المغرب ماديا في تحسين البنية التحتية لعدد من هاذه الدول وتشجيع المؤسسات الاقتصادية المغربية للاستثمار فيها، وإنشاء المساجد وإقامة المستشفيات وتوزيع آلاف النسخ من المصحف المحمدي، وأطنان من الأدوية والحاجيات الغذائية، وبناء عدد من المراكز الاجتماعية، مشيرا إلى أن هذه المبادرات تهدف إلى خدمة الإنسان الإفريقي وتفعيل المقاربة التشاركية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في إطار التعامل بمبدأ رابح -رابح/ جنوب – جنوب.

وأورد مقتطفات من الخطاب الملكي السامي المؤثر الذي القاه جلالته في 30 يناير 2017 في قمة أديس أبابا “..إفريقيا قارتي وهي أيضا بيتي..” و “..إن منظورنا للتعاون جنوب-جنوب واضح وثابت فبلدي يتقاسم ما لديه، دون مباهاة أو تفاخر..” و”..لقد اختار المغرب سبيل التضامن والسلم والوحدة، وإننا نؤكد التزامنا من أجل تحقيق التنمية والرخاء للمواطن الإفريقي …”، ونوه بالمبادرات الملكية التي تبرز الصورة الصحيحة للإسلام، القائم على الرحمة ونبذ التطرف والدعوة الى الاعتدال.

وأكد ان الحظوة الدينية للمغرب عند الأفارقة و تقديرهم اللامشروط لمؤسسة امارة المؤمنين ساهمت في تحسين علاقاته الدبلوماسية مع العديد من الدول الإفريقية، ومنحت علاقته التاريخية مع القارة الإفريقية آفاقا واعدة، حيث أصبح المغرب بفضل كل ذلك فاعلا رئيسيا، على مستوى القارة ساعيا الى تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي لها، الشيء الذي جعل مدير المرصد الفرنسي للدراسات الجيوسياسية )Charles SAINT-PROT) الدكتور شارل سان برو،
يشهد بأن التزام المغرب بإفريقيا وتطلعاتها مكّنه من أن يكون “البلد العربي الوحيد الذي يتوفر على سياسة إفريقية واضحة ومستمرة ومعرفة دقيقة بالواقع وعلاقات إنسانية وثقافية ودينية مثمرة مع البلدان الإفريقية “.

وأوضح أن الطريقة القادرية البودشيشية أصبح لها حضور قوي في دول إفريقيا إلى جانب الطريقة التيجانية والمريدية والشاذلية، حيث جعلها منهجها التربوي و الإصلاحي والاجتماعي تعرف إقبالا متزايدا من المريدين من هذه القارة، كما أن الملتقى العالمي للتصوف أصبح يستقطب أبرز علماء القارة الإفريقية، إضافة الى العناية التي توليها الطريقة ومؤسساتها و شيخها الدكتور مولاي جمال الدين حفظه الله من اهتمام بالمريدين الأفارقة، بتأطيرهم روحيا ودعمهم إجتماعيا، تحصينا لهم من كل فكر متطرف تأسيا بتوجيهات أمير المؤمنين الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

وأبرز أن التصوف بما يحمله من أبعاد قيمية كفيل بأن يعزز الأمن الروحي للشعوب الإفريقية ويحارب كل أنواع التطرف الذي يشكل تهديدا على أمنها و يقف حاجزا أمام نهضتها، وأن الدبلوماسية الروحية المغربية تعتبر حلقة وصل قوية من شأنها القيام بأدوار طلائعية ومحورية لإشاعة السلم والأمن في هذه القارة.

واختتم كلمته بتوجيه الشكر الجزيل والدعاء الخالص، لأمير المؤمنين
صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، على مساعيه الجليلة في تحقيق التضامن المغربي الإفريقي خدمة للإسلام ونفع للإنسان.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *