الدكتور منير القادري يحاضر حول القيم الأخلاقية في التعليم ويبرز دورها في تحقيق التنمية.

فار بريس

مداغ : 20 /12/2021

أكد الدكتور منير القادري، رئيس مؤسسة الملتقى ومدير المركز الاورومتوسطي لدراسة الإسلام اليوم، على اهمية التفكير في المنهجيات والآليات العملية التي من شأنها الحد من التدهور الأخلاقي الذي يشهده العالم اليوم في ظل الثورة التكنولوجية والعلمية الغير المنضبطة بوازع أخلاقي، موضحا أن سمتها الغالبة تتمثل في كونها منظومة من القيم المادية الفاسدة الغير الإنسانية التي تفرز انحطاطا أخلاقيا واجتماعيا غير مسبوقين.

جاء ذلك خلا مشاركة القادري في النسخة 83 من ليالي الوصال الرقمية التي نظمتها مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بشراكة مع مؤسسة الجمال، مساء السبت 18 ديسمبر الجاري، بمداخلة حول موضوع “”القيم الأخلاقية في التعليم و دورها في التنمية”.

وأشار القادري الى أن أزمة القيم أزمة عالمية يعيشها الغرب الذي حاول مراجعتها بالبحوث والدراسات، و لم يفلح في تحقيق المأمول لاعتماده على المبادئ العلمانية التي تؤمن فقط بالعقلانية والمنفعة ولإبعاده القيم الدينية، مضيفا أن العالم الإسلامي يعيش هذه الازمة بحدة أقل، نظرا لعدم التزامه و تشبته بقيمه الإسلامية الصحيحة، وتابع أنه “رغم حضور القيم في شتى أوجه الحياة في المجتمعات الإسلامية وحتى ضمن المناهج والبرامج التعليمية، فوجودها بدون اعتمادها أساسا للتربية كعدم وجودها، لأن كل إصلاح لا يجعل من الأخلاق منصة الانطلاق، ومحطة الوصول والانعتاق، هو في الحقيقة ليس بإصلاح لأنه لا يصلح إنسان، ولا يؤسس لبنيان؛ دون الأخذ بالتربية الأخلاقية للإنسان وهي المعول عليها في كل بناء و كيان” .

وقدم رئيس مؤسسة الملتقى نماذج على الإصلاحات في مجال التعليم على مستوى العالم، كالإصلاح الجذري الذي قامت به فنلندا بإلغاء تعدد المواد واستبدالها بالموضوعات المتكاملة التي تغطي جميع جوانب الحياة العملية والإنسانية، وتهدف إلى تحضير الطالب لسوق العمل، والتجربة اليابانية التي انطلقت سنة 2018 بإلزام الطلاب بدراسة الأخلاق لمواجهة تراجع دور الأخلاق و القيم في المدرسة والمجتمع الياباني، وفي هذا الخضم اورد مقولة للكاتب والمفكر الأمريكي وليام إيفانز William Evans,1998)) : “في الغرب اعتقدنا أن العلم والتكنولوجيا يمكن أن تحل جميع مشكلات العالم عن طريق قوة المعرفة، لكن التربية الحديثة تجاهلت تطوير الإبداع البشري والقيم الروحية.”

و بين أن ضعف أثر التربية الأخلاقية على سلوك الأفراد في مجتمعاتنا، وتجليات الفصل بين ما هو تعليمي وما هو تربوي يتجلى في انتشار بعض الظواهر كالعنف المدرسي، و تعاطي المخدرات والمتاجرة بها داخل و خارج المؤسسات التعليمية، الى جانب التفسخ الأخلاقي داخل و أمام أبواب هذه المؤسسات، موضحا أن التّغيير في المجتمعاتِ والأمم يسيرُ حسب سنّةٍ الهية كونية لا تتبدّل مستشهدا بقوله تعالى في الآية 11 من سورة الرعد (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).

وأبرز الدكتور المحاضر أن ميدانُ التربية والتعليمِ يعد من أهمِّ الميادين أثرا في تنشِئَةِ الأجيال الذين هم قاعِدةُ بناءِ المجتمعات والدّوَل، باعتبار المنظومات التربوية مسارا من مسارات التغيير المجتمعي الإيجابي والقاطرة الأمامية للتنمية المجتمعية الشاملة والمستدامة، موردا مقولة الدكتور ” فيلبس كومبس”Philip H. Coombs في كتابه “الأزمة التربوية العالمية” la crise mondiale de l’education : “إننا أمام أزمة تربوية كبيرة تتمثل في قصور المناهج الحالية وعجزها عن بناء منظومة تربوية مجتمعية أخلاقية”، واوضح ان التعليم اليوم عاجز عن تخريج الأجيال المؤهلة التي تمتلك المعرفة والوعي، مضيفا أنه لا يحقق التوازن بين قدرات المتعلم المادية ومتطلباته الأخلاقية والقيمية.

وتابع القادري أن التعليم المعاصر ينتج افرادا يشكلون خطرا حقيقيا على انفسهم وعلى الناس من حولهم، لانهم لا يعيرون أي اهتمام للجانب الأخلاقي، مبينا أن التربية بدون علم تخلف وانتكاس، والتعليم بدون التربية انحراف والتباس؛ وأكد ان الله تعالى قد جمع بينهما فجعل التربية أساس التعليم، مستدلا بقوله سبحانه: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ}، وقوله ايضا عن مهمة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: {يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ ‌وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ ‌وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ}.

وذكر القادري بقول الشاطبي: ”والشريعة كلها إنما هي تخلّق بمكارم الأخلاق، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم:”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، مستنتجا أن العلم غير المسدد بالتربية، وغير المستند إلى الأخلاق، مؤهل صاحبه لاستعماله في غير محله، وامكانية توظيفه في عكس ما يهدف إليه العلم نفسه، من تخريب وتدمير.

ودعا مدير المركز الاورومتوسطي لدراسة الاسلام اليوم الى العناية بمنظومة القيم وايلائها مرتبة الصدارة في العمل التربوي التعليمي في إطار صياغة مناهج التربية الإسلامية والأخلاقية، وذلك من خلال العمل على إعادة ترتيب منظومة القيم للأجيال القادمة في المجتمعات العربية والإسلامية على أسس أخلاقية إنسانية، والعمل على تثبيت مبدأ التربية باعتماد النموذج والقدوة الصالحة، مشددا على حاجتنا اليوم أكثر إلى نماذج في السلوك يَحْتَذِي بها المتعلم في ظل الفضاء الإعلامي المفتوح ووسائل الإتصال، وأضاف ان المعلم يستحق رتبة القدوة عندما يكون سلوكُه صورة لتطبيق مباشر ودائم لأفعال نموذج حي متصل السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إضافة الى العمل على ترسيخ مبدأ العلم النافع الذي يكسب الطلبة القيم والاتجاهات الإيجابية لتشكيل الإنسان الصالح في المجتمع.

وأوضح القادري أن واقعُ الأمة يقتضِي تغذيةَ المناعةِ وتحصينَ الأجيال حذرًا من أخطار محدِقة بالعقيدة والفِكر والسلوك، داعيا القائمين على التربيةِ والتعليم إلى تقييمَ المسارِ التربويّ،ى مضيفا أن الإهمالُ في تقويم السلوك أعظمُ خطرًا وأشدُّ فتكًا من الإهمال في تقويمِ المعارف والعلوم؛ ذلك أنّ السلوكَ المنحرِف يتجاوز ضررُه الفردَ إلى المجتمع كلِّه، وأشار الى قول أمّ سفيان الثوريّ “يا بنيّ: خذ هذه عشرة دراهم، وتعلّم عشرةَ أحاديث، فإذا وجدتها تُغيِّر في جلستِك ومِشيتك وكلامك مع الناس فأقبِل عليه، وأنا أعينُك بمِغزلي هذا، وإلاّ فاتركه، فإني أخشَى أن يكونَ وبالاً عليك يومَ القيامة”.

وشدد على ان التّربية التي تؤسَّس لقِيَم ومبادئ ومستقبل الأمّةٍ، لا يمكنها أن تستعيرَ مناهجَها التعليميّة من الأمّم الأخرى، مضيفا أن التقدم وإصلاح العباد؛ رهين بازدواجية حسن التربية وجودة التعليم؛ ووصفهما ب “جناحي طير” لا يمكن الاستغناء عن أحدهما بالآخر، وتابع “إنما تضيع الأمم بقلة التربية وسوء التعليم؛ فالتعليم وحده قد ينتج الفساد؛ لكن مع التربية يسمو بالعباد؛ فلا تكفي قلة التربية مع كثرة التعليم؛ فكيف بقلة التربية وسوء التعليم؟ وهنا يظهر لنا جلي العلاقة و التكامل بين التعلم كباب من أبواب طلب العلم و المعرفة و الحكمة وبين التربية على القيم الروحية و الاحسانية و مكارم الأخلاق، كباب من أبواب طلب الكملات المحمدية”.

وعزز القادري محاضرته بما ذهب إليه الباحث جنيفر جيدلي من جامعة سيدني Jennifer M. Gidley at University of Technology Sydney في بحث قدمه تحت عنوان «تعليم للجميع أم تعليم للحكمة»، أكد فيه أن “ما يحتاج إليه العالم الآن هو نظم تعليمية متماسكة على مستوى كل من المدرسة والمجتمع، تساندها نظم معرفية اخلاقية… ترسي دعائم التشبع بروح الحوار والتسامح وقبول الآخر ونبذ العنف والكراهية والتعصب والصدام مع الآخر”.

ونادى الدكتور القادري بتضافر الجهود بين إدارة المدرسة، والمدرس، والأسرة، ومؤسسات المجتمع ومجالس التربية الصوفية، موضحا ان “التكامل في العمل يقودنا إلى التوافق، ويخلصنا من الأفكار غير السليمة، ويبعدنا عن السلوكات غير المقبولة، فنسلم من ثقافة الآخر التي لا تنسجم مع تربيتنا وثقافتنا، حينئذ نبني شخصية واضحة تخلو من التناقضات”، وأضاف أن العلاقة بين القيم والتربية علاقة متبادلة ذات تأثير وتأثر.

وأشار الى إن التعليم يعتبر من أهم المهن التي تتطلب أسسا ومبادئ يعتمد عليها في وضع مناهجه وتأدية رسالته، وهو طريق التنمية في الحياة، لما له من المخرجات العلمية الفاعلة في جوانب شتى مما هو ضروري لدفع عجلة التنمية، مبينا أن الأخلاق عنوان صلاح الأمم والمجتمعات ومعيار فلاح الشعوب والأفراد، و شدد على أن أي أمة ترغب في التقدم و النمو يجب ان تصب جهودها وخططها المستقبلية على تربية الإنسان.

وبين أن التربية على مكارم الأخلاق تستلزم مصاحبة الأخيار والصادقين، وأهل الأخلاق الفاضلة والتدرج في مسالك السالكين إلى حضرة رب العالمين، موضحا أن الشيخ المربي الدال على الله، المتخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو القدوة، يأخذ عنه المريد الأخلاق عمليا، فتصبح سلوكا وحالا، وهذا هو أثر الأخوة الصادقة، والرفقة الحسنة ، مستدلا بقوله تعالى في الآية 119 من سورة التوبة ” يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ “، وسلط الضوء على تأكيد الطرق الصوفية منذ نشأتها، على ثمرات صحبة الشيخ العارف بالله في تهذيب النفوس

وأضاف أن التصوف مدرسة تسعى إلى تقديم رؤية شمولية للتربية المتكاملة تعتمد التربية على القيم الروحية والاخلاقية أساسا لبناء شخصية الإنسان المتكامل جسدياً وعقلياً وروحيا انفعالياً ووجدانياً، وجعله شخصا مبدعاً ومتكاملاً في استثمار ما اكتسبه من علم ومعرفة لخيره ولخير المجتمع، موضحا ان الصالح العام لبلدنا مملكة المغرب ومستقبل الأمة الإسلامية والبشرية جمعاء يقتضي أن تتضافر جهود جميع الفاعلين من طرق الصوفية و مؤسسات عمومية و معاهد و جامعات وخبراء من أجل هدف واحد هو اعداد جيل قادر على رفع تحديات المستقبل

وختم القادري مداخلته بالتأكيد على اهمية المبادرات الملكية و الورشات الكبرى الرامية إلى بلورة النموذج التنموي الجديد الذي يهدف إلى تحديث المنظومة التعليمية و التربوية و تعزيز المشاركة الفاعلة و الرؤية التشاركية بين كافة الفاعلين في هذا القطاع إلى جانب الشباب، وضمان إدماجهم ومشاركتهم الفاعلة في المشروع التنموي الجديد بطموح مشترك من أجل مغرب مزدهر و منفتح على محيطه تحت القيادة الراشدة لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده

Loading...