حكومة اقتسام الغنائم في مواجهة شعبٍ تحاصره نيران الغلاء .

مدير الجريدةمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
حكومة اقتسام الغنائم في مواجهة شعبٍ تحاصره نيران الغلاء .

 

في الوقت الذي يدخل فيه المغاربة موسماً اجتماعياً بالغ الاحتقان، مثقلاً بغلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية وتزايد أعباء الأسر، تطل التشكيلة الحكومية الجديدة على المشهد السياسي محمّلةً بأسئلة محرجة حول تماسكها وأولوياتها ومدى استيعاب مكوناتها لحجم الانتظارات الاجتماعية. فبينما تنشغل الأسر بتدبير ميزانيات أنهكتها الأسعار، وتبحث عن مخرج من دوامة المصاريف المتزايدة، ينشغل الفاعلون السياسيون بتدبير التوازنات واقتسام الحقائب، في مشهد يهدد بتوسيع الهوة بين مغرب المواطنين ومغرب الامتيازات.

أي مفارقة سياسية أكثر استفزازاً من دخول اجتماعي حارق يقابله دخول حكومي تحكمه حسابات المناصب وموازين النفوذ؟ وأي معنى لتشكيلة حكومية جديدة إذا لم تكن أولويتها تخفيف الضغط عن الأسر، واستعادة الثقة في المؤسسات، وتقديم أجوبة عاجلة عن أسئلة الشغل والأجور والصحة والتعليم والسكن؟ إن خطورة اللحظة لا تكمن فقط في صعوبة الظرفية الاقتصادية والاجتماعية، بل في احتمال استمرار السياسة داخل حلقة مفرغة من التفاوض الحزبي، بينما يظل المواطن يدفع وحده فاتورة الاختلالات.

إن الدخول الاجتماعي ليس موعداً إدارياً يتكرر كل سنة، ولا محطة موسمية تُستهل بالوعود والتصريحات، بل امتحان حقيقي لمدى ارتباط القرار السياسي بنبض المجتمع. ففي الأسواق، تصطدم الأسر بغلاء المواد الأساسية؛ وفي البيوت، تتزاحم فواتير الماء والكهرباء والنقل والسكن مع دخول لا تواكب بالضرورة سرعة ارتفاع النفقات. أما الشغيلة، فتواجه تحديات الأجور والقدرة الشرائية والاستقرار المهني والحماية الاجتماعية، فيما يواصل الشباب البحث عن فرص الشغل والأفق، وتنتظر فئات واسعة خدمات صحية وتعليمية تحفظ كرامتها وتضمن الحد الأدنى من الإنصاف الاجتماعي.

وفي خضم هذه الضغوط، يصبح الحديث عن الكلأ الحكومي والريع الوزاري عنواناً لسؤال سياسي وأخلاقي جوهري: هل تتجه الجهود نحو تعبئة الإمكانات لمواجهة الأزمة الاجتماعية، أم تُستنزف الطاقة السياسية في هندسة التوازنات وتقاسم المسؤوليات والمواقع؟ إن هذا التساؤل لا يبرر اتهاماً مسبقاً لأي طرف، لكنه يفرض على الحكومة الجديدة تقديم ما يثبت أن منطق الخدمة العمومية يتقدم على حسابات الامتياز الحزبي، وأن المناصب الوزارية تكليف لخدمة المواطنين وليست غنيمةً سياسية.

فلا معنى لحكومة تتقن توزيع الحقائب إذا عجزت عن توزيع الأمل، ولا قيمة لتحالف يحسن تدبير توازناته الداخلية إذا أخفق في الاستجابة للاختلالات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ومن موقع المسؤولية النقابية، فإن الدفاع عن الشغيلة لا ينفصل عن مساءلة السياسات العمومية التي تحدد مستوى الأجور، وشروط العمل، والحماية الاجتماعية، وجودة الخدمات الأساسية. فالعامل والأجير والموظف والمتقاعد لا تعنيهم هوية الحزب الذي نال هذه الحقيبة أو تلك بقدر ما تعنيهم قدرتهم على تلبية حاجاتهم الأساسية، وضمان مستقبل أسرهم، والعيش بكرامة بعيداً عن الخوف من الغلاء والهشاشة وفقدان الشغل.

إن الحكومة الجديدة مطالبة بالانتقال من لغة التطمينات إلى سياسة الإجراءات الملموسة: حماية القدرة الشرائية، وتعزيز الحوار الاجتماعي، وتحسين الأجور وفق الإمكانات والالتزامات المتفاوض بشأنها، ومحاربة الاحتكار والممارسات غير المشروعة، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وضمان عدالة مجالية لا تجعل فرص التنمية والعيش الكريم امتيازاً مرتبطاً بالموقع الجغرافي أو النفوذ السياسي.

ولا يمكن اختزال النجاح الحكومي في عدد الحقائب الموزعة أو في قدرة الزعماء على تدبير التوازنات الداخلية. فالمعيار الحقيقي هو وضوح البرنامج، والانسجام بين مكوناته، والقدرة على التنفيذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما الحديث عن الريع الوزاري، فيجب أن يظل سؤالاً للمساءلة السياسية يستند إلى الوقائع والقرائن، لا مجرد اتهام يُطلق دون دليل.

إن أخطر ما قد تواجهه الحكومة هو اتساع المسافة بين شرعيتها المؤسساتية وانتظارات المجتمع، وتحول الدخول الاجتماعي إلى مناسبة جديدة لتراكم الغضب بدل أن يكون بداية لانفراج ملموس. فالاستقرار الاجتماعي لا يُصان بالشعارات وحدها، بل بالإنصاف والفعالية والثقة، ولا تُستعاد مصداقية المؤسسات إلا حين يلمس المواطن أثراً واضحاً للقرارات في حياته اليومية.

المغاربة لا ينتظرون حكومةً تتقاسم الغنائم، بل حكومةً تتقاسم معهم أعباء الأزمة وتتحمل مسؤولية الخروج منها. لا يريدون سباقاً على الكراسي فيما قدرتهم الشرائية تتآكل، ولا سجالاً حول الحقائب فيما تتضخم تكاليف الحياة؛ يريدون سياسات تجعل كرامة المواطن أولوية، وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، وتثبت بالفعل أن السلطة تكليف وليست امتيازاً.

ومن هنا، فإن الدخول الاجتماعي الحارق يضع الحكومة الجديدة أمام امتحان لا يقبل التأجيل: إما أن تجعل من هذه المرحلة فرصة لتصحيح المسار واستعادة الثقة، عبر قرارات اجتماعية واضحة وقابلة للتقييم، وإما أن تترك الشكوك تتراكم حول أولوياتها وجدوى اختياراتها.

ففي نهاية المطاف، لن يسأل المواطن عن هندسة التحالفات ولا عن حصص الأحزاب، ولن يقيس نجاح الحكومة بعدد الوزراء أو الصور الرسمية، بل سيطرح السؤال الذي تختصر فيه كل الأسئلة: ماذا تغيّر في حياة المغاربة بعدما تغيّرت الحكومة؟

*(الكاتب الوطني للنقابة الشعبية للشغل)

الاخبار العاجلة