قتل “المثقف العضوي” معناه قتل الجهاز المناعي للمجتمع والأمة …بأي ذنب قتل؟! .

فاربريس


بقلم : عبدالإله الوزاني التهامي

لا يختلف اثنان مهما تباينت قناعاتهم وهوياتهم بأن قتل المثقف العضوي هو بمثابة قتل قوى التفكير والإبداع والعطاء في رحم المجتمع، وما نراه في المجتمعات الإنسانية منذ قديم الزمان من تحضر وتمدن راجع بالأساس لقوة هذا الجهاز المناعي المتمثل في المثقف العضوي.
كيف يستطيع المثقف العضوي أن يحقق مجتمعا تسود فيه الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية، في ظل هيمنة أنظمة شمولية مستبدة ؟

للمثقف العضوي مهام جسيمة تتمثل في أن يقوم بتبني قضايا الناس و الدفاع عنها و التعريف بها و قيامه أكثر من ذلك بعمليات تشريح لمجتمعه ، من أجل اكتشاف الداء و وصف الدواء ، لأنه لا ينبغي له الانطلاق من القوالب و الأحكام الجاهزة التي أعدها له السياسي أو أي فاعل آخر، و عليه ألا ينظر إلى قضايا المجتمع بالمنظار الذي وضعه الآخرون، بل عليه أن يكون مستقلا و ينطلق من الحيوية الفكرية المستقاة عناصرها من التواجد الميداني في عمق المجتمع،

معلوم أن عبارة المثقف العضوي، هي لصاحبها “أنطونيو كرامشي”، الذي نطق بها من داخل سجنه، و هي تختزل مفهوما عميقا عن ارتباط المثقف بالجماهير، و أما في تراثنا فالمثقف يأخذ أبعادا أكثر شمولية و مسؤولية، إذ تعني الحضور المسؤول لكل ذي ضمير حي و كل ذي عقل راجح و كل ذي غيرة صادقة، بين الجماهير، لأن الحضور المسؤول و الشهادة بالقسط وسط المجتمع أكثر حمولة للمعاني من غيرهما ، فالحضور المسؤول و الشهادة بالقسط، تعني فيما تعنيه، أن المثقف فضلا عن كونه عنصرا عضويا من بين عناصر المجتمع، فهو أيضا شاهد بشكل فعلي على كل صغيرة و كبيرة تعتمل وتختمر في رحم وفي ظاهر المجتمع، و ما تحمله تلك الشهادة من تبعات عليه القيام بما يلزمه اتجاهها.

إن المثقف العضوي الحاضر بين الناس و الشاهد بالقسط، له مشروع إصلاحي و تغييري يمس عالم الاقتصاد و الاجتماع و السياسة و الفكر و الثقافة معا، بواسطة الاندماج و التغلغل الميسرة لعمليات الإقناع و التأطير و التنظيم، التي بدونها سيظل المثقف وحيدا خارج السرب، إن مهمة الرفع من المستوى المدني للجماهير مهمة ضخمة تتطلب مثقفين من مستويات عالية، ليس المستوى التعليمي الأكاديمي فقط و إنما مستوى التميز عن بقية أفراد المجتمع بالإقبال على التفكير و إدراك التحديات الضاغطة على مجتمعه، التي تمكنه من اتخاذ مواقف حاسمة في قضايا خطيرة.

لهذا فالمثقف ليس في حاجة لمن يموقعه في المجتمع أو يصنفه، لأن نزوله الميداني إلى ساحة الفعل هي التي تزكي صفته كمثقف عضوي فاعل حاضر شاهد، بسبب ارتفاع منسوب الوعي الاجتماعي لديه الذي يدفعه إلى النهوض بدوره كاملا لصالح المجتمع.

و يقول البعض في الموضوع بأنه ليس ضروريا أن يكون المثقف حاصلا على شواهد عليا، ليقوم بمهامه، بل يمكن لأي كان أن يلعب ذلك الدور شريطة تسلحه بما ذكرنا من القيم والمثل و المبادئ، مع امتلاكه لأقل مستوى دراسي أبجدي ، ييسر له الاندماج و التعاطي و التفاعل مع القضايا المجتمعية فهما و استيعابا و تقديرا، و بالعكس تماما نجد مثقفا أكاديميا له شواهد عليا لكنه منزو و متقوقع على نفسه، يخدم أجندة أعداء المجتمع من حاكمين و لوبيات فساد اقتصادية و سياسية و مذهبية، و من باب التواضع تبدو على المثقف العضوي صفات التواضع بين يدي أبناء المجتمع، بخلاف السياسي أو الأكاديمي الرسميين، إذ تلمس في تصرفاتهما دلائل الوصاية على المجتمع و التعالي عليه.

فنجد من المثقفين من له تحصيل عالي من العلم بمفهومه الشامل، و نجد المثقف الوطني الميال إلى الاهتمام الكبير بشؤون الوطن السيادية و السياسية ، و نجد مثقف السلطة الذي هو بمثابة لسان حال و ترجمان السياسات الرسمية، ونجد المثقف الخبير، المتسلح بخبرة علمية في ميدان علمي صرف، ونجد المثقف المهني و المحترف المتواجد بين شرائح المجتمع، و كلها فئات قد نعتبرها ضمن إطار “المثقف العضوي”، إن غادرت قعوسها و نكوصها و ميلها نحو خدمة أجندة منافية لأجندة الطبقات الاجتماعية و مضادة لمصالحها.

فلا معنى لأن يسمى المثقف عضويا، إلم ينزل من برجه العالي و يقطع مع الانزواء و التقوقع، و كذلك إلم يصنع لنفسه معية شركائه من المثقفين، أرضية اجتماعية صلبة للانطلاق منها نحو تحقيق مراده الذي هو مراد عامة أبناء الشعب، خاصة و أن الحاجة تزداد إلى المثقف العضوي الذي يتألم لتألم الجماهير و يترح لترحهم و يفرح لفرحهم، في ظل هيمنة مثقف السلطة و مثقف المال و النفوذ، و لن يستطيع القيام بمهامه كاملة إلا بعد تجسير الفجوة بينه و بين الجماهير، و ذلك من خلال تواجده في كل القطاعات و الميادين، أفقيا و عموديا، فالإمام و الفقيه و الخطيب في الجوامع و المساجد مثقفون عضويون عليهم أن يقوموا بتأدية رسالتهم كاملة ، و الفلاح في حقله، والبناء في ورشته، والفنان بلوحته، والشاعر بقصيدته، و البحار والإسكافي والتاجر والأستاذ والموظف والكاتب الصحافي والناشط الجمعوي، كل إنسان يؤدي عملا اجتماعيا أو اقتصاديا أو علميا أو طبيا، إلا و له رسالة تعتبر أمانة على عاتقه، عليه أن يؤديها على أحسن وجه باعتباره مثقفا عضويا حاضرا بين الناس و شاهدا بالقسط على ما يجري في مجتمعه.

وعلى مستوى فعله الميداني يمكن للمثقف العضوي أن يحمل على عاتقه مهمة انتشال أبناء المجتمع من قبضة الحكام المستبدين، الذين يدفعون بالشباب نحو تفجير “ذواتهم” في سوريا و العراق و اليمن و غيرها من المناطق المشتعلة، ــ ينتشلهم ــ بعمليات التربية و التأطير و التوجيه و الترفيه و التثقيف، حتى يتحولوا من عوامل هدم إلى عوامل بناء، و تتحول طاقاتهم من التوجه نحو تفجير الذات و حرقها، إلى تفجير المواهب و الإبداع و تفتق الأفكار، لأن الأنظمة الفاسدة كما نرى بأم أعيننا يوميا، لا تزيد أوضاع المجتمعات إلا ضغطا و احتقانا و يأسا، و من ثم هجرات جماعية أو فردية، و تفجير للذوات في الداخل أو في الخارج، أو الخضوع بفعل الإكراه النفسي الممنهج، إلى تعاطي مواد مدمرة من مخدرات و كحول و غير ذلك، صحيح أن المثقف العضوي النبيه يعمل منفردا على إنقاذ أبناء المجتمع من الهوة السحيقة التي تدفعهم نحوها سياسات الأنظمة الفاسدة المستبدة.

في الجملة إن المثقف العضوي، شخص ذو مواقف ومنتج للإبداع و صانع للأفكار، لا يخنع للصمت ولا للانزواء مهما كانت الضغوط و الظروف، فهو بتلك الصفات يعمل على فتح أعين المسؤولين ليتعرفوا على النقط السوداء في المجتمع التي تتطلب تدخلا استعجاليا ، و مسؤول عن تنبيه الغافلين من السياسيين، و مسؤول عن قذف الرعب في نفوس المستبدين و المفسدين، و مسؤول عن إزعاج المفسد أثناء ممارسته لفعل الفساد و إرغامه على التوقف عن فساده، ومسؤول مباشر عن زراعة الأمل بين أبناء المجتمع حتى يتحركوا و يتململوا و يبحثوا عن المهمة التي يجب عليهم القيام بها ضمن المنظومة الاجتماعية الواسعة، و مسؤول عن بذر جينات الحياة في رحم المجتمع المصاب بيأس يدفعه دفعا نحو الانتحار و الموت السريع.

لكن بدون التحلي بالشجاعة اللآزمة و بالحكمة المطلوبة و بالتفكير السليم و بالمعرفة الدقيقة، لن تؤتي مجهودات المثقف العضوي الحاضر الشاهد أكلها، في ظل هيمنة لوبيات الفساد المنتشرة في كل القطاعات و المهيمنة على البر و البحر و الجو، ممكن و بالتأكيد أن يحدث تأثيرا عميقا في مجتمعه إن تحلى بفكر راشد و بعقل راجح وبحكمة مستنيرة، موظفا أثناء عملياته المقاومة النضالية، كل العناصر الإيجابية الموجودة على الأرض لصالحه، بغية تحقيق هدفه الأسمى أي إسعاد المجتمع و إخراجه من تعاسته، يساعده في ذلك حذقه و مهارته و ذكاؤه، ولا تكتمل ــ أو تبتدئ ــ سعادة المثقف العضوي ، إلا عندما يرى أفراد المجتمع سعداء .

وانضافت في الحقبة التاريخية التي نحياها، التي تتصف بحساسية مفرطة على مستويات عدة ، مهام إلى مهامه و تحديدا في أن ينزع فتيل الفتنة و الاقتتال و إراقة الدماء، بعمله الحكيم الدؤوب المحرض على التآخي و التوادد و التراحم و الابتعاد عن التنطع و التطرف ، و عن كل ما من شأنه أن يزلق بنا أقدامنا نحو هاوية سحيقة، رغم أن الحاكمين في غالبيتهم هم من يزيدون الطينة بلة و هم من يجرون شعوبهم إلى الهاوية غير محمودة العواقب بإفسادهم في الأرض و نهبهم و تعسفهم و استبدادهم المطلق غير المتوقف بطرق متجددة ، و ذلك إيمانا من هذا المثقف العضوي الحكيم بضرورة استحضار أهمية الأمن و الاستقرار و الطمئنينة، في مسيرة و مسار كل حركة تغييرية هادفة إلى بناء إنساء إيجابي جديد و جعله وسيلة لإسعاد كل البشرية.
إن الذين يسخرون مدخرات الدولة وثرواتها في سبيل قتل جهازها المناعي المتمثل في المثقف العضوي، إنما يرتكبون جرما لا يغتفر في حق أوطانهم والإنسانية جمعاء فقط لإرضاء نزواتهم التحكمية ولاستنزاف ثروات البلد دون مقاومة من أحد.
فمتى يستيقظ الضمير الإنساني ويترفع ويسمو، مثلما هو سام المثقف العضوي بفكره ومقاومته ونضاله؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.